(445)
(628)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب الموطأ لإمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس الأصبحي، برواية الإمام يحيى بن يحيى الليثي، كتاب الرؤيا، باب ما جاء في الرُّؤْيَا.
فجر الأحد 28 رجب 1444هـ.
باب مَا جَاءَ فِي الرُّؤْيَا
2769 - حَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ الأَنْصَاري، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ".
الحمد لله مُكرمنا برسوله وبيانه، صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحبه الواعين لتبيانه، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين في باطن الأمر وإعلانه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين من جعلهم الله -سبحانه وتعالى- معدنًا للفضل ومكانه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، والملائكة المقرّبين، وجميع عباد الله الصالحين وعلينا معهم وفيهم إنّه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتحدث سيدنا الإمام مالك -عليه رحمة الله- عن الرؤيا.
فيقول له رؤيةٌ، ويقال لذاك رؤيا. وقد يُستعمل الرؤيا محل الرؤية في مثل قوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ) [الإسراء:60] وهي رؤيةٌ أيضًا في اليقظة ببصره الشريف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وهذه الرؤيا التي تحصل في المنام تأتي على أحوال، فمنها:
فرؤيا النبيين -صلوات الله وسلامه عليهم- كلها وحي، وبذلك جاءنا القرآن أن سيدنا الخليل يقول لابنه إسماعيل: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات:102]. وقال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) [الصافات:103-105].
ثمّ إنّ هذه الرؤيا إذا صَدَرت من الصادق والمؤمن فلها شأن ومكان، وإذا جاءت من الكاذب والكافر ففي الغالب أن تكون كاذبةً.
وهذه الرؤيا تأتي على مراتب.
وذكر لنا ﷺ في هذا الحديث الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح.
ولا يُقبَل من الرؤيا مهما كانت حسنة إلاّ ما شهِدَ لها شاهدا العدل من الكتاب والسنة؛ ما كانت موافقةً، وبذلك أجمعوا على أن الرؤيا من غير الأنبياء لا تثبُت بها أحكام؛ ما يتأتى إثباتُ حكمٍ بها.
فإن الأحكام تشريعاتٌ من الله -تبارك وتعالى- لا تكون إلاّ على أيدي الأنبياء، فلا يمكن برؤيا أن يتحول أمر مكروه إلى حرام أو إلى مباح وجائز، أو أمر مباح إلى واجب أو واجب إلى مندوب، ما يتأتى شيء من هذا برؤيا أحد! ولكن لها دلالات ومعانٍ كما أخبر ﷺ.
وبذلك رأينا تأويل سيدنا يوسف للرؤيا، ورؤيا الملك التي رآها أقام عليها سياسة التغذية للدولة فيما يتعلّق بطعام الناس، وأقام عليها خطة سيدنا يوسف -عليه السلام-، وقال: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ) [يوسف:47-48]. وعبَّر الرؤيا لصاحبي السجن كذلك، وجاءت كما قال، صلى الله على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. إذًا؛ فعلى هذه الأحوال تكون الرؤيا.
ثمّ ذكر لنا: "عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ، جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ". وقد جاء أيضًا في صحيح مسلم: "جزءٌ من ستةٍ وعشرين جزءًا من النبوة". وجاء في رواية: "جزءٌ من أربعين جزءًا من النبوة"، وجاء: "جزءٌ من أربعةٍ وأربعين جزءًا من النبوة"، وجاء: "جزءٌ من خمسين جزءًا من النبوة"، وغير ذلك. وأكثر هذه الروايات حققها ابن عبد البر في كتاب التمهيد، حقّق أسانيدها؛ فجاءت باعتبارات، فهي:
ولأهل المعارف بعد ذلك اطلاع على شيءٍ من وجوه هذا التقسيم، ولكن لا يُجزم بأنّه المراد؛ فقد يصحُّ بدلائل الوارد، ولكن لا يُجزم بأنّه هو المراد وحده.
وكما ذكروا في "جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ": أن النبي ﷺ ابتُدئ الوحي بالرؤيا الصالحة ستة أشهر من ربيع الأول إلى رمضان، ثمّ ابتُدئ الوحي من دون الرؤيا من رمضان إلى أن مضت ثلاثة وعشرون سنة. وأن نسبة الستة الأشهر إلى الثلاث والعشرين سنة تكون نسبة واحدٍ من ستة وأربعين؛ لأنّ كل سنة عبارة عن ستة وستة أشهر: جزئين، فثلاثة وعشرون تصير ستة وأربعين، واحد منها الرؤيا. هذا وجهٌ من الوجوه، ولا يُجزم بأنّه هو المراد ولا أنّه وحده المراد.
وهكذا فيما جاء من أمثال هذه النِّسب، يفهم العلماء، ويُلهم منهم من يُلهم أوجهًا من معانيها، ولا يُحيط بها إلاّ صاحب النبوة ﷺ "جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ". وعلمتم ما جاء في صحيح مسلم من: "جزءٌ من ستةٍ وعشرين جزءًا من النبوة". وعلمتم ما جاء في الروايات الأخرى "من سبعين"، "من خمسةٍ وأربعين"، "من أربعةٍ وأربعين".
وفي صحيح مسلم أيضًا: "جزءٌ من خمسةٍ وأربعين جزءًا من النبوة"، وجاء أيضًا ذكر: "ستةٍ وسبعين"، وجاء "ستة وعشرين"، وجاء غير ذلك من مثل: "جزء من خمسين جزءًا من النبوة"، وبذلك قالوا: أجزاء النبوّة لا يعلمُ حقيقتها إلاّ مَلَكٌ أو نبيّ.
وبعد ذلك واصل الأحاديث معنا وهي متعلّقة بهذا المعنى، لكن يدركنا الوقت لأجل الختم، فنسأل الله أن يُكرمنا وإياكم بصفاء البواطن ونقائها، وصدق الإقبال عليه في الأحوال كلها، والقبول الكامل التام لديه بأحسن ما قَبِل به محبوبيه في عافية، إنّه أكرم الأكرمين، بسرّ الفاتحة إلى حضرة محمّد ﷺ.
28 رَجب 1444