صفة صلاة المقربين - 1 | خصوصية الصلاة، ومعاني الطهارة والتكبير
الدرس الأول من شرح العلامة الحبيب عمر بن حفيظ لكتاب صفة صلاة المقربين للعلامة الحبيب الحسن بن صالح البحر الجفري رحمه الله، يوضح فيها صفة صلاة المقربين والعباد الصالحين.
في مسجد عمر بن الخطاب، مدينة صلالة، سلطنة عمان
فجر الإثنين 9 ربيع الأول 1447هـ.
نص الدرس مكتوب:
بسم الله الرحمن الرحيم
وبسندكم المتصل للإمام العارف بالله الحسن بن صالح بن عيدروس البحر -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (صفة صلاة المقربين) إلى أن قال:
بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَحْمن ٱلرَّحِيمِ
"الحمد لله الذي أبرز من عين الوجود سر الخصوصية، الساري جمالها في جميع العوالم المُلكية والملكوتية، وصلى اللّٰه على سيدنا محمد قبلة الأرواح العرشية، وفرد الحضرة الذاتية، وطَور التجليات الإحسانية، نقطة الانفعال المدحية منها مراكز الأنوار الصمدية وعلى آله وصحبه شعاع نوره، ونجوم بدره، وترجمان نهيه وأمره.
وبعدُ،
فإن الصلاة لما كانت روح الأعمال، وحقيقة مراتب الوصل والاتصال، وسر لطيفه الوجود في أزل الآزال، وبها يظهر النور الرباني المغطى في قالب الأشكال؛ تعيَّن على من نوَّرَ اللّٰه بصيرته وصفّى من الأكدار سريرته:
أن يجمع الهمَّ فيها، ويقطع عقبات مراقيها؛ ليَكرَع من زلال صافيها"
الحمد لله مكرمنا بأنوار الوجهة إليه، ونتائج الإقبال عليه، بعجائب الإفضال الذي سبقت به المنَّة لمن يسَّرَهُ له -سبحانه وتعالى- وساقه إليه، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منه مبتدأُ كل أمر ومرجعه إليه، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أكرم الخلائق عليه وأجلّهم منزلة لديه.
اللهم أدم صلواتك على الحبيب المحبوب، طب الأجسام والقلوب، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه خير الدروب، وعلى آبائه وإخوانه من أنبيائك ورسلك وآلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين.
وبعد،،
فقد استمعنا إلى خطبة هذه الرسالة، (رسالة صلاة المقربين) للإمام العارف بالله الحسن بن صالح بن عيدروس البحر الجفري، أعلى الله درجاته وجمعنا به في أعلى جناته، هي رسالة كتبها لما طلب منه الإمام العارف مفتي زبيد الإمام عبدالرحمن بن سليمان الأهدل، حين التقى به في أيام حجته في مكة المكرمة، وطلب منه أن يكتب رسالة تحكي صلاة المقربين، لتكون نورًا لمن أراد أن يترقى في مراقي الصلاة، في التحقق بحقائق الصلاة، والحرص على روحها وعلى الارتقاء في سلالِمِها في الوصول إلى حقائق الصِّلَةِ بالله والقرب منه والوصول إليه جل جلاله وتعالى في عُلاه؛ فكتب هذا النَّفَس البديع الرائع الراقي وابتدأ:
بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَحْمن ٱلرَّحِيمِ
وقال: "الحمد لله الذي أبرز من عين الوجود"؛ و"عين الوجود": وجوده الأزلي -سبحانه وتعالى- الذي هو: الوجود الذاتي، الوجود الحقيقي، الوجود الذي لا يسبقه عدم، الوجود الذي لا ينتابه فَنَاء ولا زوال ولا انتهاء، الوجود الحق للإله الحق سبحانه وتعالى.
يقول: "الحمد لله الذي أبرز -أظهر- من عين الوجود"؛ سر وجوده الذاتي -جل جلاله- أبرز سر الخصوصية في اختصاصه من يشاء من عباده بمحبته ووداده وقربه، وجعل المركز في ذلك -كما يشير إليه- عند صلاته على النبي محمد ﷺ، إيجاده وإبرازه لنور عبده المختار محمد عليه الصلاة والسلام، والذي أوصله وواصله وتجلَّى عليه -سبحانه وتعالى- ثم فرع ذلك في إيجاد الموجودات وتكوين الكائنات.
"الحمد لله الذي أبرز من عين الوجود سر الخصوصية"، وكانت الخصوصية المشار إليها:
- تجليات.
- ومدارك.
- ومعارف.
خَصَّ الله بها الإنس والجن والملائكة ممن سبقت له السعادة من الإنس والجن ومن ملائكته المقربين عليهم صلوات الله أجمعين، اختصهم -سبحانه وتعالى- بخصائص وإن كانت أسرار ألوهيته وربوبيته سارية في كل ذرة من ذرات الوجود والأكوان العلوية والسفلية، ولكن حقائق من معرفته الخاصة ومحبّته الخالصة لا يحملها إلا الملائكة ومن تهيأ وتأهل لها وصَلُح من خواص الإنس والجن، فإنهم يدركون من أسرار أسمائه وصفاته وذاته -جل جلاله- وحقائق المعرفة به والمحبة له؛ ما لا تدركه بقية الموجودات والكائنات، فكانت هذه الخصوصية رأسها صلتهم بالحق -سبحانه وتعالى- وقربهم منه ومعرفتهم به، وميدان ذلك الصلاة.
قال: "أبرز من عين الوجود سر الخصوصية، الساري جمالها"؛ جمال تلك الخصوصية في تجليه -سبحانه وتعالى- بهذا الفضل وتخصيصه بهذا الوَصل والعطاء الجَزل سرى جمال ذلك "في جميع العوالم"؛
"جميع العوالم": جَمْعُ عالَم؛ والمراد به: كل ما سوى الله تعالى، قال: "المُلكيّة والملكوتيّة"، والمراد:
- "بالمُلكيّة": عوالم الشهادة، وعوالم الحسّ وعوالم الظاهر. وهو ما يُتَوصَّل إلى إدراكه بالحواس الخمس، فهذا العالَم عالَم المُلك.
- "والملكوتية": هو ما لا يُتَوصَّل إليه بالحواس الخمس وإنما يُدرَك بالبصائر والعقول، فهو: عالم الغيب، والعالم المعنوي الباطني.
هذه العوالم مُلكيّها ومَلكوتيّها كلها انتشر فيها وسرى جمال ذلك التجلي من عين الوجود بسر الخصوصية، وبذلك صار يُشهَد لذوي البصائر أسرار جمال الله تعالى بواسطة النبي ﷺ في كل ذرة من ذرات الوجود.
قال الإمام الحداد:
وَاشْهَدْ جَمَالًا أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُ *** فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرًا لَا خَافِي
"الحمد لله الذي أبرز من عين الوجود سر الخصوصية، الساري جمالها في جميع العوالم المُلكية والملكوتية" وبروزه وجلاؤه وقوّته في العوالم الملكوتية أجل وأعلى منه في العوالم المُلكية في عوالم الحسّ، وإن كان الكل يدل عليه والكل يشير إلى عظمته -جل جلاله وتعالى في عُلاه-؛ فهناك سر الجمال الإلهي بادٍ في جميع الكائنات، قال سبحانه وتعالى: (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك: 3-4]، بل كل شيء من خلقه يحمل أسرار صُنعهِ وتكوينه وإبرازه وتقديره، وتصويره وتقديره -جل جلاله وتعالى في عُلاه-.
"وصلى الله على سيدنا محمدٍ قبلة الأرواح العرشية" و"الأرواح العرشية": هي الأرواح التي لم تنحبس في قيود الحس ولا أيضًا في العوالم الملكوتية بانقطاعٍ بشيء منها أو توقف عند شيء منها حتى صارت عرشية؛ وذلك أن العرش أعلى ما خلق الله -تبارك وتعالى- من هذه الكائنات وجعله محيطًا بالسماوات والأرض وما بينهما.
"فالأرواح العرشية" هي التي تحررت من قيود الوقوف مع شيء من الكائنات، فسُمِّيَت عرشية؛ لأن العرش مَجلَى العلو والرفعة ومَجلَى تجلي الخالق -سبحانه وتعالى- فالقلوب التي لم تتوقف ولم تنحصر في شيء من هذه الكائنات والوُجودات قلوب توصف بأنها عرشية..
- ولكن قِبْلَة هذه الأرواح العرشية محمد بن عبد الله.
- كما أن قِبْلَة الأجسام العلوية من الملائكة المقربين العرش.
- ومنهم من له قِبْلَة البيت المعمور تحت العرش وفوق السماء السابعة.
- وقِبْلَة الأجسام في عالم الأرض جعلها الله -سبحانه وتعالى- الكعبة المشرفة؛ التي قال فيها تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة:144].
ولكن هذه قبلة للأجسام، أما قبلة الأرواح فإمامها الموصِل لها إلى حضرة الفتاح محمد بن عبد الله ﷺ فهو قبلة الأرواح، ولذا أمرنا:
- أن نستقبل بأجسادنا في كل صلاة الكعبة المشرفة.
- لكن نستقبل في كل صلاة بأرواحنا قبلته الكريمة في قوله: "صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
"قبلة الأرواح العرشية وفرد الحضرة الذاتية" الذي أفرَدَتْهُ ذات الإله -سبحانه وتعالى- عمن سواه؛ فجعلته أول مخلوق وأول مكوَّن وأول مصنوع، فبرز نوره عليه الصلاة والسلام في الوجود، ثم خَصَّهُ بأسنى الخصوصية، فهو العبد المحبوب الخالص المخصوص من الرحمن بأجلِّ الخصائص، صلوات ربي وسلامه عليه.
فهو فردٌ في جماله عن بقية الجمال المنبسط في الوجود وفرد في كماله وفردٌ في جلاله وفردٌ في معرفته بالحضرة وفردٌ في تقدمه على جميع أهل الحضرة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.
"فهو فرد الحضرة الذاتية التي تتجلى فيها الذات، وهو طُور التجليات الإحسانية"؛ والطور الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- مَجلَى لمناجاة سيدنا الكليم موسى ومخاطبته وتكليمه إياه؛ (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا) [النساء:164].
ونودي من ذلك الطور، ولما طلب الرؤية وهي ممتنعة في عالم الدنيا، قال له سبحانه وتعالى: (قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا) [الأعراف:143].
"وطُور التجليات الإحسانية محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله"، كما أن جبل الطور كان مَجلَى لتجليات الله الكلامية على سيدنا موسى عليه السلام، فمحمد بذاته وصفاته وأسمائه طُور للتجليات الإحسانية؛ وهي تجليات إحسان الحق -جل جلاله- لعباده ولخلقه، بواسطته يتجلى على المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكل من حظيَ بإحسان من حضرة المحسن -جل جلاله-، جعل الله ذلك عبر هذا الطُور "طور التجليات الإحسانية، نقطة الانفعال المدحية منها مراكز الأنوار الصمدية"، ونقطة الانفعال المستجيبة لسر الإرادة الأزلية بأسرار (كُن) ومن (كُن) كانت الانفعالات لجميع الكائنات، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82] جل جلاله.
فكان بداية الخلق بهذا المصطفى وبروز نوره، ثم تفرُّعُ العالم، فنور هذا الحبيب أول مخلوق برز في العالم، ومنه تفرع الوجود خلقاً بعد خلقٍ فيما حدث وما تقادم، فكان هذا الانفعال في التكوين بأسرار الإرادة المشار إليها بكلمة (كُن) بالكاف والنون في كلام الله -سبحانه وتعالى- فكان "نقطة الانفعال"، نقطة الانفعال التي ابتدأ منها الإيجاد والتكوين والخلق والتقدير، "نقطة الانفعال المدحية منها" التي دُحِيَ منها وامتد "مراكز الأنوار الصمدية" في العوالم.
"وعلى آله": أقاربه المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب.
"وصحبه" الذين أدركوا حياته الكريمة وشاهدوه أو التقوا واجتمعوا به وهم على الإيمان، فمن اجتمع به مؤمناً ومات على الإيمان.
- وصحبه أفاضِلهم وأكارمُهم السّابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
- وأفاضل هؤلاء السابقين من المهاجرين والأنصار أهل بيعة العقبة والذين تقدم إسلامهم بمكة المكرمة من أمثال:
- هؤلاء العشرة المبشرين بالجنة، فهم رأس السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
- وهكذا إلى ما بعد صلح الحديبية وقيل إلى فتح مكة فهم السابقون.
- ومن أسلم بعد صلح الحديبية وإلى بعد فتح مكة فهم اللاحقون من الصحابة.
- ومن قبلهم هم السابقون الأولون عليهم رضوان الله تبارك وتعالى أجمعين.
"وعلى آله وصحبه شعاع نوره" فكان الآل والصحب الموطن والموضع الذي قَبِلَ انبساط هذا النور وظهوره وإشراقه؛ بإيمانهم ومحبّتهم وتعظيمهم وصلتهم به صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله، وإن كان النور منبسط في الوجود؛ ولكن ظهور الشّعاع في خواص الآل والصحابة ثم فيمن أحسن الاتباع من الأمة ظهور مخصوص، وظهور مُعَيَّن ومتميز عن بقية الظهور في الكائنات، ومنهم حملهم لأسرار وَحيه وتنزيله وبلاغِه عن الله تعالى على قدر ما تهيّؤوا لذلك، فكانوا "شعاع نوره" في البرية، كما كان من قبلهم أيضاً الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
"ونجوم بدرِه" فبدرُه الكريم هو الساطع نوره، فالنجوم كالمستقِيَة من هذا البدر كما يستمد أيضًا البدر من الشمس.
قال سيدنا البوصيري في ذكر مراتب الأنبياء في اتصالهم بخاتم الأنبياء:
فَإِنَّهُ شَمْسُ فَضْلٍ هُمْ كَوَاكِبُهَا *** يُظْهِرْنَ أَنْوَارَهَا لِلنَّاسِ فِي الظُّلَمِ
ثم في هذه الأمة، آله وصحبه شعاع هذا النور، وأجلى ما يكون من معرفة حقائق رسالته وبلاغه عن الله -تبارك وتعالى- هم، ويؤخذ ذلك عنهم وينتشر في الأمة بحسب ما قُدِّر وقُسِم لهم.
- (أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) [الزمر:22].
- (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) [الأنعام:122].
قال: "نجوم بدره وترجمان نهيه وأمره" الترجمة الصحيحة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ الآل والصحب الأكرمون.
فما هناك ترجمة بيّنة واضحة صحيحة لحسن الامتثال للأوامر واجتناب النواهي على الوجه الأتم الأحسن؛ من مثل الآل الأكرمين والصحابة الغُرِّ الميامين -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى- فهم "ترجمان نهيه وأمره"، لذلك جعل الله -سبحانه وتعالى- في شريعته اتباعهم والكون معهم في قوله سبحانه: (والسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة:100].
فهم ترجمان النهي والأمر، ولذا كل ما خالف وجهاتهم وتفسيرهم الصحيح لمعاني الكتاب والسنة وخرج عن أساس مسلكهم لا يمكن أن يُقبل ولا يُعْتَدُّ به ممن أراد أن يخوض في معاني الأوامر والنواهي على أي وجه لا يقوم على مسلك الآل والصحب الأكرمين والسابقين الأولين.
فهم الترجمان الصحيح البَيِّن الواضح لفهم وامتثال الأوامر واجتناب النواهي التي بلَّغها حبيب الرحمن عن الرحمن.
"وبعد" ذكر ما تقدم من هذه الإشارة، "فإن الصلاة" المفروضة من الصلوات الخمس ثم النوافل "لما كانت روح الأعمال"، ووُصِفَت في الحديث بأنها عماد الدين..
- وكانت جامعة للوجهة إلى الحق تبارك وتعالى.
- واستخدام الأعضاء والقوى في طاعته.
- وإبراز حقائق الخضوع لجلاله بالركوع وبالسجود ووضع الجبهة على الأرض.
فصارت "روح الأعمال"، أي الأعمال الصالحة المقربة إلى الله -تبارك وتعالى- ومن هنا يُعرَف أن من تعمَّد ترك الصلاة فأراد أن يتقرب بشيء من الأعمال الصالحة، صارت جميع تقرباته بالأعمال الصالحة جسدًا لا روح فيه، فلا يُقبل منه عمل مع تعمُّده لتَرك الصلوات الفرائض، يقول سبحانه: "ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ".
فهذه الصلوات الخمس "كانت روح الأعمال"، بل جاء بخصوص الجمعة لمن وَجَبَتْ عليه الجمعة ثم أهملها أنه لا يُقبل منه بعد ذلك عمل، فيما يروى أن ﷺ قال في بعض خطبه: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمْعَةَ في مقامي هذا في شهري هذا، فَمَنْ تَرَكَهَا فَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا ومن تركها فلَا صَوْمَ لَهُ، أَلَا وَلَا زَكَاةَ لَهُ، أَلَا وَلَا حَجَّ لَهُ" يعني ما تُقبل منه بقية الأعمال بتركه للفريضة.
فالأصل هو الفرائض في هذه الصلوات الخمس وبقية الفرائض من الأعمال تابعة لها، وبذلك كان فرضها أفضل الفروض ونفلها أفضل النوافل، قال عنها نبي الله: "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ".
قال: "كانت روح الأعمال وحقائق مراتب الوصل والاتصال"، كانت الصلوات الخمس "حقائق في مراتب الوصل"، وهو نيل معاني المعرفة والقرب والتفَضُّل والامتنان من حضرة الحق والاتصال به من حيث وجهة العبد واجتماعه على الإله.
"حقيقة مراتب الوصل والاتصال" منطوية في هذه الصلاة وما فيها، "وسر لطيفة الوجود في أوّل الآزال"، يقال: الأزل والآزال؛ لأن هذا على سجعٍ "الأعمال"، "والإتصال"، "والآزالِ"، والمراد: أن الحكمة الإلهية في تكوين الكون جعلَتْ الغاية التي يصل إليها العقلاء من الإنس والجن والملائكة في الأعمال هذه الصلاة، "أقربُ ما يَكونُ العبدُ من ربِّهِ وَهوَ ساجدٌ".
فصارت "حقيقة مراتب الوصل والاتصال وسر لطيفة الوجود في أول الآزال"، فما فيما يحصله الموجودون من هؤلاء في هذا العالَم شيء أعظم وأجل من صلتهم بالحق تعالى التي مجالها ومَجلاها الصلوات الخمس؛ إذًا فهذه الحكمة التي أُشِيرَ إليها بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]، أي: لينالوا حظهم الرفيع في أشرف ما يحصلونه وهو وصولهم إلى سر عبادتي وروحها هذه الصلاة.
فإذًا هي "سر لطيفه الوجود في أول الآزال، وبها يظهر النور الرباني المغطى في قالب الأشكال".
"المغطى في قالب الأشكال" أي: الصور والأجسام والقوالب، فهذه غُطِّيَ فيها وسُتِرَ فيها الروح التي هي من عالم الأمر، نفخها الله -تبارك وتعالى- في أبينا آدم ثم لم يزل في كل تكوين جسدٍ إنساني يُنفَخ فيه بواسطة المَلَك الروح: (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء-85]، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر-29].
قال: "بها يظهر النور الرباني المغطى في قالب الأشكال" فهذه الصور والأجساد.
قال: لما كانت الصلاة بهذه المثابة والمنزلة، "تعيَّن على من نور الله بصيرته" والله ينور بصائرنا "وصفَّى من الأكدار سريرته" الله يصفِّي سرائرنا "أن يجمع الهمَّ فيها ويقطع عقبات مراقيها،" أي: يجعل له همة وعزيمة ووجهة قوية في إقام الصلاة على وجهها، لذلك قال الإمام الغزالي: أنه لم تصدر الأوامر في الصلاة بمجرد الصلاة ولكن بالإقامة، والإقامة لها أداؤها على الوجه الأليق والأوفق والأتم.
قال: إنما يقول: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [الأنعام:72] و(أَقِمِ الصَّلَاةَ) [الإسراء:78]، ولم يقل صلِّ ولا صلُّوا في ألفاظ القرآن، ولكن قال: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)؛ لأن الإقامة لها أداؤها على التمام وعلى ما هو أولى في إقامتها.
قال: "أن يجمع الهم فيها ويقطع عقبات مراقيها ليكرع من زلال صافيها" أي: يشرب من هذا الزلال الصافي: وهو شرب روح وشرب قلب وهو أنوار اليقين والمعرفة الخاصة والمودة الرحمانية وأسرار القرب وحقائق الرضا.
فهذه يُعبَّر عن الوصول إليها وحصولها وتحقق الإنسان بها وحيازته لأسرارها بِشُربٍ يَشرَبُهُ في كؤوس ذلك الوَصل والاتصال.
"ليكرع من زلال صافيها" سقانا الله من ذاكم الزلال الصافي.
رضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"فإذا تطهَّر من الاكدار وخلع ربقة الاغيار، قام بمحض الذلة والانكسار، لهيبة الملك القهار، وعزة العزيز الجبار، فيخضع لسلطان الجلال، ويلاحظ معشوق الجمال، ويتضرع بالدعاء والابتهال، بالتثبيت بين يدي الكبير المتعال، ثم يقول: "اللّٰه أكبر"، محقِّقًا أن لا كبير في قلبه إلا اللّٰه؛ فيطرح جميع ما سواه ابتغاء رضاه إذ هو رب كل شيء ومولاه، منه بدأ وإليه منتهاه .
وليحذر أن يكذِّبَ قوله عمله، بأن يبقى له مطلوب أو محبوب غير اللّٰه؛ فمع الكبير القدير، لا يرضى بالحقير الصغير؛ فيرمي جميع الهموم ويشهد قيامه بكل معلوم.
ثم يحقق بلسانه ما بقلبه بقوله:
"وجَّهتُ وجهيَ": أعني وجه قلبي وكل همِّي بالذلة له تعالى إذ هو الكبير العظيم، والافتقار إليه إذ هو الغني الكريم، والرغبة فيه إذ هو الحليم الرحيم، والتوكل عليه إذ هو القوي القدير.
"للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ": وحينئذٍ تزول عنه الظُّلَم، ويشاهد عين الجود والكرم، ولايبقى له مرغوب أرضي ولا سماوي؛ إذ هي وما فيها من جوده موجودة، وبوصفه ممدودة.
"حَنِيفًا" غير ملتفتٍ ذات اليمين بالرغبة فيمن سواه، ولا ذات الشمال بالرهبة ممن عداه.
"مُسلِمًا": له بالإذعان والانقياد، وطارحًا له المراد فيما أراد، بغير اعتماد ولا استناد إلى غيره؛ فما ثَمَّ غيره.
"وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ": بالمراد معه، المترددين في الحب له، وكيف أؤثر عليه محبوبًا هو المتفضل به، أو أريد معه شيئًا لا يقوم إلا به".
بعد ما قدم تلك المقدمة قال الآن فالدخول في الصلاة كيف يكون؟ تسبقه الطهارة، ومنها في عالم الحس:
- الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر.
- والطهارة عن الأنجاس في الثوب والبدن والمكان.
والمراد بالثوب: كل ما اتصل به الإنسان وحَمَلَه في الصلاة، كلما حَمَلَه أو اتصل يجب أن يكون طاهرًا، فلا تصح الصلاة مع حَمْلِه أو اتصاله بنجسٍ ولو بقبض يده، يقبض بيده ولو بخيطٍ طرف الخيط ذاك في النجاسة؛ لا تصح منه الصلاة؛ إشارة إلى أهمية الطهارة والتمام في الطهارة، فلا يحمل شيئًا في الصلاة ولا يتصل به وهو نجس، فيكون الطهارة عن الحدث والطهارة عن النجاسة في الثوب والبدن والمكان مفتاح الصلاة وبداية الصلاة.
وبذلك قال: "فإذا تطهر من الأكدار" مشيرًا إلى أن هذه الطهارة من سر شرعها وحكمة فرضها علينا أن نتوصل من طهارة البدن والثوب والمكان والطهارة عن الأحداث؛ إلى تطهر القلوب عن الأغيار والالتفات إلى غير القهار، فليس المراد تطهير هذه الأبدان والثياب والمكان والتَّطَهُّر عن الأحداث فقط مجرَّدًا لذاته؛ وإنما هو السبب القوي في -أيضًا- الإشارة إلى تطهير بواطننا عما لا يليق بحال العبد مع مولاه.
"فإذا تطهر من الأكدار وخلع ربقة الأغيار" الأصل في الشيء أو العروة والمقبض والعقدة في الحبل يقال له "ربقة".
"خلع ربقة الأغيار"، والمراد بالأغيار: الظلمات الناشئة من الالتفات إلى غير الله سبحانه وتعالى.
"فإذا تطهر من الأكدار وخلع ربقة الأغيار" الآن تم طهورُه الظاهر والباطن؛ "قام بمحض الذلة" التذلل والخضوع والانكسار، وهو الشعور بالتقصير وأنه لم يُعطِ الأمر حقه مهما اجتهد، وقال سبحانه وتعالى: "أنا عندَ المُنكسرةِ قلوبُهمْ مِنْ أجلِي"؛ فهكذا يكون القيام إلى الصلاة:
- نتطهر من الأكدار.
- ونخلع ربقة الأغيار والالتفات إلى غير الله.
- نقوم بمحض الذلة أي: بخالص -المحض: الخالص- خالص الذلة والانكسار.
"في هيبة الملك القهار" -جل جلاله وتعالى في عُلاه- فإنها مقابلة خاصة في خصوصيات إقبالٍ عليه وتوجهٍ إليه جل جلاله وتعالى في عُلاه.
وكان يتلوّن وجه الإمام علي زين العابدين عند القيام للصلاة، فإذا سُئِل عما يعتريه من ذلك قال: أتدرون بين يدي من أقوم؟ ومن أناجي؟
قال: "لهيبة الملك القهار وعزة العزيز الجبار، فيخضع" في شعوره وإحساسه وباطنه وكليِّته "يخضع لسلطان الجلال" الجلال الحق سبحانه وتعالى "ويلاحظ " مع ذلك "معشوق الجمال" في إمداده -سبحانه- وإسعاده وتقريبه لعباده، وتفضله عليهم بما يليق بجوده.
قال: "يلاحظ معشوق الجمال، ويتضرع بالدعاء والابتهال بالتثبيت بين يدي الكبير المتعال"، لأنها مواجهة وحضرة خاصة، ثم يبتدئ بالتكبير، مفتاحها التكبير، كما قال ﷺ في الصلاة: مفتاحها التكبير "تحريمُها التَّكبيرُ وتحليلُها التَّسليمُ".
فيدخل بالتكبير، ومعنى هذا التكبير: أن يوقن -كما أشار الشيخ- أنه لا كبير سواه؛ فالكبير هنا بالمعنى الخاص المنسوب إلى الحق -سبحانه وتعالى-: أنه لا ابتداء لأوليته ولا انتهاء لآخريته، ولا يحيط أحد بأوصافه وأسمائه فضلًا عن ذاته في الأولين ولا في الآخرين، فهو أكبر من أن يحاط به، وأكبر من أن يُعرَف.
ولهذا "الأكبر" هنا وصيغة الأفْعَل ليس المراد بها مناسَبة بينه وبين شيء من الكائنات؛ فإنما هي فعلُه، جميع ما سواه من جميع الكائنات هي فعله -سبحانه وتعالى- وما يقال إن إنسان أكبر من فعله مثلًا، ولكن المراد: أنه أكبر من أن يحاط به وأكبر من أن يخطر على بالٍ أو يُتَخَيَّلَ بخيال.
فالأكبر هنا: أفعل التفضيل على غير وجهه يقولون، فلا مناسبة بينه وبين غيره حتى يقال إنه أكبر من غيره؛ ولكن كل غيره من وجه ذوات الغيريات هذه لا وجود لها وعدم وهو الذي خلقها، ومن وجه إيجاده لها فهي فعله -سبحانه وتعالى-.
والله أكبر -جل جلاله- قال: "يقول: "اللّٰهُ أكبر" محقِّقًا أن لا كبير في قلبه إلا اللّٰه"؛ لأنه لا موجود بذاته إلا الله -سبحانه وتعالى- وجودًا أزليًا أبديًا لا يقبل العدم أزلًا ولا أبدًا، لا افتتاح له ولا آخرية له؛ هذا ليس إلا له، ومع ذلك فلا يمكن لسواه أن يحيط بأوصافه ولا بأسمائه فضلًا عن ذاته -جل جلاله- فإذًا هو الأكبر، بهذا المعنى لا كبير في قلبه إلا الله.
"فيطرح جميع ما سواه" ويخرج عن الالتفات إليها أو الحضور معها شغلًا به جل جلاله.
"ابتغاء رضاه إذ هو رب كل شيء ومولاه" أي شيء تريد أن تفكر فيه وتلتفت إليه وأنت قائم للصلاة، "فمنه بدأ وإليه منتهاه"، وهو خَلْقُه وهو ربها كلها، قال: فليصدق في قوله "الله أكبر"، هذا أمر عظيم!
كبَّر مرة الإمام الحداد، فلما نطق بالتكبير بحاله ووجهته الباطنية، أثَّر ذلك في الجدار أمامه وانشق الجدار، لما قال: الله أكبر، انشق جدار القبلة اهتزازًا من سر تكبير هذا القلب من هذا الإمام عليه رحمة الله تبارك وتعالى.
فشأن هذا التكبير، وأشار فيه ﷺ أنه يبدو من هذا السر في آخر الزمن أن ما يحصل من مقابلة المسلمين لكفار وفجار، فإذا كبروا اهتزت قصور الكفار واضطربت بتكبير المؤمنين: الله أكبر.
قال: "محققًا أن لا كبير في قلبه إلا الله، فيطرح جميع ما سواه ابتغاء رضاه" وأول كِبَر وعظمة هذا الإله أنه لا افتتاح لوجوده، وهذا ليس لسواه أصلًا، ألا هو وحده سبحانه وتعالى.
يقول: "وليحذر أن يُكذِّب قولَه عملُه" أي: حاله، فلا يقول بقلبه "الله أكبر" وفي استشعاره وتصوره شيء كبير مع الله -تبارك وتعالى- فلا كبير إلا هو، وحينئذٍ إذا صدق في هذا الاعتقاد والمشهد؛ لا يبقى له مع الله مطلوب أو محبوب غيره قط.. قط.. قط.
"فمع الكبير القدير، لا يرضى بالحقير الصغير؛ فيرمي جميع الهموم ويشهد قيامه بكل معلوم" كل ما يدخل تحت العلم من جميع الكائنات فهو قائم بمكون الكائنات، (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران:1] جل جلاله وتعالى في عُلاه.
ثم ذكر دعاء الافتتاح، ومنها هذا الذي أشار إليه بدايته هنا، وهو من أفضل أدعية الافتتاح، وجاءت عدد من الأدعية في السنة المشرفة:
- يُفتَتَح بها الصلاة من قبل قراءة الفاتحة.
- وعند بعض المذاهب من قبل التكبير.
- والجمهور العلماء على أنه بعد التكبير وقبل افتتاح الفاتحة تُقرأ هذه الأدعية.
أدعية الافتتاح ومنها:
- قول: "اللهُ أكبرُ كبيرًا والحمدُ للهِ كثيرًا وسبحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصيلًا".
- ومنها: "سُبحانَكَ اللهُمَّ وبِحَمدِكَ، أشهَدُ أن لا إلَهَ إلّا أنتَ، أستَغفِرُكَ اللهُمَّ وأتوبُ إلَيكَ".
وعدد من الأدعية الواردة قبل الفاتحة ومن أفضلها هذا الذي أشار إليه الشيخ وهو قول: "وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ".
قال: "ثم يحقق بلسانه ما بقلبه بقوله:
"وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ"، كيف "وجَّهتُ وجهيَ"؟ الوجه الحسي هذا الجسداني يتوجه إلى القبلة، إلى جهة القبلة.
إذًا "وجَّهتُ وجهيَ للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ" قال: "أعني وجه قلبي" كيف وجهت وجه قلبي؟ قال: جميع همتي بأربعة أشياء يحصل التوجه الصحيح:
- "بالذلة له".
- "والافتقار إليه".
- "والرغبة فيه".
- "والتوكل عليه".
"وجَّهتُ وجهيَ" وجه قلبي وكل همي، فإذًا الوجهة الباطنة هي المراد بالوجه هنا، لا الوجه الجسدي هذا المكوَّن من العظم واللحم والدم؛ وإنما الوجهُ "وجَّهتُ وجهيَ" أي: "وجه قلبي وكل همِّي بالذلة له تعالى إذ هو الكبير العظيم، والافتقار إليه إذ هو الغني الكريم، والرغبة فيه إذ هو الحليم الرحيم، والتوكل عليه إذ هو القوي القدير"، فإذا قام بالذلة والافتقار والرغبة والتوكل؛ فقد صح منه التوجه، تَوَجَّهَ بوجهِ قلبه إلى الله.
"للَّذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ": وحينئذٍ تزول عنه الظُّلَم" وهو التفاته إلى شيء مما في السماوات والأرض، "ويشاهد عين الجود والكرم، ولا يبقى له مرغوب أرضي ولا سماوي؛ إذ هي -الأرضين والسماوات- وما فيها من جوده موجودة، وبوصفه ممدودة"؛ فلا ينبغي أن تقطع عنه، ولا أن تحجب ولا أن تحول بيننا وبين الحضور معه.
قال: "حَنِيفًا"، والحنيف: المتمسك بالحق المائل عن الباطل إلى الحق.
وضده الجَنيف: وهو المائل عن الحق إلى الباطل، المتمسك بالباطل والمائل إليه عن الحق يقال له الجنيف، (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا) [البقرة:182]، أي: ميلًا.
- فالميل إلى الباطل جَنَف.
- والميل إلى الحق والاستمساك به حَنَف.
"حَنِيفًا" أي: متمسكًا بالحق "غير ملتفتٍ ذات اليمين بالرغبة فيمن سواه" فلا أرغب في أحد غيره ولا أطمع، "ولا ذات الشمال بالرهبة ممن عداه" لا أخاف غيره -جل جلاله- ولا أرهب من سواه، فحينئذٍ يكون التوجه الصحيح حنيفًا أي: متمسكًا بالملة الحنيفية، ومجلاها القوي:
- أن لا تبقى لقلبي رغبة فيمن سواه.
- ولا رهبة ممن عداه.
لأنها كلها قائمة به وهو المتصرف فيها.
"مُسلِمًا": له -مستسلمًا- بالإذعان والانقياد، وطارحًا له المراد فيما أراد"، مسلم منقاد خاضع، مُسلِّم لقضائه ولقدره، "بغيرِ اعتماد ولا استناد إلى غيره، فما ثَمَّ غيره" أي: ما ثَمَّ قائم بنفسه وموجود بذاته غيره سبحانه وتعالى.
"وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ": بالمراد معه، المترددين في الحب له"؛ ما أنا من المشركين بأن أريد معه غيره، أشرك معه في الإرادة سواه.
"وَما أَنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ": بالمراد معه، المترددين في الحب له" وبأن تتعلق محبة قلبي بشيءٍ غيره -سبحانه وتعالى- بل مقصورة محبتي عليه، وبمحبّته أحب حبيبه، وبمحبّته أحب من أحب وما أحب، فلا أحب إلا من أجله، إذًا فأنا لا أحب إلا هو -جل جلاله-.
"وكيف أؤثِر عليه محبوبًا هو المتفضل به، أو أريد معه شيئًا لا يقوم إلا به"، فما هناك شيء في الحس والمعنى والدنيا والآخرة إلا وهو موجِدُه وخالقه، وهو ربه وهو المعطي المانع دون سواه -جل جلاله- على وجه الحقيقة.
الله يرزقنا صدقَ الإقبال عليه وحسن التوجه إليه، ويحققْنا بحقائق الصلاة ويجعلنا من مقيميها، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
بارك الله في جمعنا، وبارك الله في درسنا، وبارك الله في التقائنا، وبارك الله في بُكرَتِنا التي جعل فيها واسع البركة للأمة، "بُورِكَ لأُمَّتِي في بُكورِها".
وافتَتحنا يومنا وبكرته وهو يوم اثنين، وهو من أيام شهر المولد الشريف المبارك، وفيه ذكرى ميلاده في كل أسبوع، في الشهر وقبله وبعده، "ذاكَ يَومٌ وُلِدْتُ فيه"، ولنعم الصوم فيه.
اللهم وجهتنا إليك أن تحققنا بحقائق الصلاة، وأن تجعل ما نقرؤه ونسمعه حجة لنا لا حجة علينا، وسببًا لتحققنا بحقائق الإقبال عليك الكلي، والإقامة الصحيحة للصلاة على الوجه الذي ترضاه، حتى نتشبَّه بالمقربين فتلحقنا بهم وبالعباد الصادقين المخلصين وتجعلنا منهم وفيهم، واعلِّ اللهم الدرجات المتقدمين في مساجدنا هذه وبلدتنا هذه، واجمعنا وإياهم في دار الكرامة وأنت راضٍ عنا، واعلِّ درجات مؤلف الرسالة وشيوخه وسلاسل إسناده إلى الحبيب الأعظم ﷺ وجميع من اتصل بهم، وامنحنا رضوانك الأكبر ومنَّك الأوفر، وأصلح لنا ما بطن وما ظهر برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
20 ربيع الأول 1447