كشف الغمة - 414- كتاب الأطعمة (08) فصل: في النهي عن أن يأكل طعام الإنسان بغير إذنه إلا أن يكون صديقا له
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 414- فصل: في النهي عن أن يأكل طعام الإنسان بغير إذنه إلا أن يكون صديقا له
صباح الأربعاء 27 شوال 1447هـ
نص الدرس المكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في النهي عن أن يؤكل طعام الإنسان
بغير إذنه إلا أن يكون صديقًا له
"وهو الذي تجد في قلبه انشراحًا عند أكلك طعامه أو أخذك ماله أو غير ذلك، قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته -يعني: غرفته- فينشل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه"، وقال ﷺ في خطبته أيام منى: "ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، فقال رجل: أرأيت يا رسول الله لو لقيت غنم ابن عمي في موضع فأخذت منها شاة فذبحتها هل عليَّ في ذلك شيء؟ فقال: إن لقيتها تحمل شعرة وأرباذًا فلا تمسنّها".
وقال أبو عمير مولى أبي اللحم: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة دخلوا وخلفوني في ظهورهم وأمتعتهم، فأصابني مجاعة شديدة فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقال لي: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها قال: فدخلت حائطًا فقطعت منه قنوين فأتاني صاحب الحائط فأخذني وأتى بي رسول الله ﷺ وأخبره خبري، وكان عليَّ ثوبان، فقال لي: أيهما أفضل فأشرت له إلى أحدهما فقال: خذه وأعط صاحب الحائط الآخر، فخلى سبيلي.
وقال عباد بن شرحبيل: أصابتني سنة فدخلت حائطًا من حيطان الأنصار ففركت منه سنبلًا وحملته في ثوبي فجاء صاحبه فأخذني وضربني وأخذ ثوبي، فأتى بي رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال له: ما علمت إذ كان جاهلًا ولا أطعمت إذ كان جائعًا، فأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقًا أو نصف وسق من طعام، وكان ﷺ لا يأكل هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها لأجل الشاة التي أهديت له بخيبر مسمومة، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
ما شاءَ الله لا قوَّة إلَّا باللهِ، وصلَّى الله عَلى حبيبِهِ المُصْطَفَى سيِّدنا مُحمَّد وآلِهِ ومَنْ اهتَدَى بِهُداه، وعَلى آبائِه وإِخوانِه مِنْ رُسلِ الله وأنبيائِهِ، وعلى آلهِم وصحبِهِم وأتبَاعِهِم، وعَلى المَلائِكَةِ المُقَرَّبِين وجميعِ عِبادِ اللهِ الصَّالحين، وعَلينا معهُم وفيهِم برحمَتِهِ إِنَّهُ أرحَمُ الرَّاحمِين.
أمّا بعدُ؛l
فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفصل ما يتعلَّق بتناول الإنسان من طعام غيره ومن مال غيره. وقد عُرِفَ في أصل الشريعة الغرَّاء: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا". وجاء تفصيل الشريعة باختلاف الأحوال، وكذلك المأخوذ وحال الآخذ وما إلى ذلك في تفصيلاتٍ جاءت في الشرع المصون.
قال: "فصل في النهي عن أن يؤكل طعام الإنسان بغير إذنه إلا أن يكون صديقًا له"؛
في إشارة إلى ما جاء في الآية: (أَوْ صَدِيقِكُمْ)، (لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ..) أي: سلَّموا لكم المفاتيح لتأخذوا ما شِئتم (..أَوْ صَدِيقِكُمْ) [النور:61]. والمُراد: الذي بينك وبينهُ صداقة؛ تعرف وتتيقَّن أنَّهُ يفرح بما تأخذه من شيءٍ من ماله لطعامك ونحو ذلك.
قال: "وهو الذي تجد في قلبه انشراحًا عند أكلك طعامه أو أخذك ماله أو غير ذلك"؛ وهذا من غير شك يختلف:
- باختلاف الأشخاص.
- ودرجاتهم:
- في الإيمان.
- وفي المحبَّة.
- وفي الأخوَّة ومعانيها.
قال قائل لسيدنا أبي هريرة: إنِّي أريدُ أن أؤاخيك في الله. يعني: أخوة خاصة. قال: بحقها؟ قال: ما حقها؟ قال: ألَّا تكون بما في جيبك أحقَّ منكَ مِنِّي. معناه: أن لا تكون بالشيء الذي في جيبيك أحقَّ به منِّي؛ أنا وإيَّاك سواء أخوان، الذي في جيبك والذي في جيبي -ذا كلّه- واحد. قال: لا أقدر على هذا! قال: فاذهب إنك لا تصلح للأخوة الخاصة! تكفيك أخوة الإسلام، بس أخوة عامة؛ ما أنت من أهل الأخوة الخاصة.
وهكذا بلغ الحدُّ بهم؛ كما جاء في الصحابة والتابعين وتابعيهم كذلك من بعدهم؛ أنَّ أحدهم يُسَرُّ سرورًا إذا أخذ صاحبه من مالِهِ شيئًا يحتاج إليه. ولمَّا جاء بعضهم فقصد بيتَ أخٍ له في اللهِ فلم يجده، فقال لجاريته: أخرجي الصندوق! فأخرجت الصندوق الذي يحطّ فيه دراهم، فتحه وأخذ منه مقدار الدراهم وراح. ولمَّا جاءت فزعت من سيدها أنه يزعل عليها، قالت: إن أخاك فلان جاء وسأل عليك، قلنا له: أنك غير موجود ومسافر. ولكن قال لي: أحضري لي الصندوق حقّه. فأنا استحيت منه فأحضرته له وأخذ منه. قال: أحقٌ ما تقولين؟ قالت: نعم! قال: إن كان حقًا ما تقولين فأنتِ حرة لوجه الله الكريم. أعتقها فرحاً أنه سقطت الكُلفة بينه وبين أخيه، وثبتت المودة والرحمة. فكان سببًا لعتقها لفرحه بأنه أخذ من صندوق أخيه وهو في غيبته؛ لثبوت الأُلفة بينهما وسقوط الكُلفة. وهم درجات، ما كل الناس بهذه المثابة.
ويقول: " قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته -يعني: غرفته- -يدخلون الدَّار حقه، والغرفة حقّه ويشلّون الذي فيها من الطعام؛- فينشل طعامه، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم -مثلما الغُرف تخزن لهم أطعمتهم، وهذه أطعمتهم وسط الضروع- فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه"، والحديث في الصحيحين وغيرهما؛ وعليه أيضًا الجمهور.
وكذلك فيما يتعلق بالبستان، قال: "وقال ﷺ في خطبته أيام منى: "ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، فقال رجل: أرأيت يا رسول الله لو لقيت غنم ابن عمي في موضع فأخذت منها شاة فذبحتها هل عليَّ في ذلك شيء؟ فقال: إن لقيتها تحمل شعرة وأرباذًا فلا تمسنّها"؛ أي: ما دام فيها حياة مستقرة تمشي، وتصل إلى صاحبها، ما يمكن أن تأخذ منها شيئًا.
وقد سمعنا أيضًا في الحديث الصحيح أنه: "مَن حلَف على يمينٍ فاجرةٍ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلِمٍ بغيرِ حقٍّ حرَّم اللهُ عليه الجنَّةَ وأوجَب له النّارَ، قيل: يا رسولَ اللهِ وإنْ كان شيئًا يسيرًا؟ قال: وإنْ كان قضيبًا مِن أراكٍ"، ولو قضيب عود من أراك تأخذه بغير حق وتحلف يمينًا كاذبًا فلا بدَّ لكَ من غَمسة في النار، ومن دخول النار. ومن يطيق النار؟! أجارنا الله من النار.
"وقال أبو عمير مولى أبي اللحم: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة حتى إذا دنونا من المدينة دخلوا وخلفوني في ظهورهم وأمتعتهم، فأصابني مجاعة شديدة فمر بي بعض من يخرج من المدينة فقال لي: لو دخلت المدينة فأصبت من تمر حوائطها قال: فدخلت حائطًا فقطعت منه قنوين -من النخل؛ أخذ له خريف من الثمر- فأتاني صاحب الحائط.."؛ قال: ها.. أنت تأخذ من نخلنا من دون إذني! "..فأخذني وأتى بي رسول الله ﷺ وأخبره خبري.."؛ قال: هذا دخل وسط الحائط حقِّي، وقطَّع له قنوين من التمر من دون إذني. "وكان عليَّ ثوبان" قال له: أي الثوبين أفضل عندك؟! قال: خلاص، خذ الأفضل والثاني أعطه الرجَّال مُقابل قنوين حق الذي أخذتها منه، أعطاه إياه وعوضه عن أخذه ما يقارب ثمن هذا.
لهذا ﷺ قال: "أيهما أفضل فأشرت له إلى أحدهما فقال: خذه وأعط صاحب الحائط الآخر"؛ بس هذا الذي معه، مقابل ما أخذ منك، والرجل محتاج وخلاص سامحه! قال: "فخلى سبيلي."
"وقال عباد بن شرحبيل: أصابتني سنة -مجاعة-، فدخلت حائطًا من حيطان الأنصار ففركت منه سنبلًا وحملته في ثوبي فجاء صاحبه -تأخذ الطعام من وسط هذا وتفك السنابل؟- فأخذني وضربني وأخذ ثوبي، فأتى بي رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال له ﷺ: "ما علمت إذ كان جاهلًا" -يقول لصاحب الحائط: ليه بالحدة والشدة وضرب وأخذ الثوب؟! الرجل جاهل يحتاج تعليم أول- "ما علمت إذ كان جاهلًا ولا أطعمت إذ كان جائعًا" -جائع مسكين، بطنه خالية -يبغى- يحتاج شيئاً من الطعام وأنت عندك الطعام- قال: "فأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقًا أو نصف وسق من طعام"، من عنده صاحب الطعام قال: خذ هذا، ولا تدخل حائط أحد، وتأخذ حق أخذ، خذ هذا الطعام وراح تومله صلى الله عليه وصحبه وسلم.
ففيه أنه رأعى أحوال الرجلين:
- فالأول رأى منه تصرف بعقل وحكمة، وأمسك الرجل وجاء به، لا ضربه ولا أخذ ثوبه. ورأى أن الرجل أيضاً هذا يحتاج أن يتعلم أنه لا يأخذ حق الغير، وأنه عنده شيء فاضل عن حاجته وهو الثوب الثاني ويمكنه أن يكتفي بثوب واحد، قال: بس أفضل الثوبين خله لك، والثاني أعطه صاحب الحائط، تطيب بذلك خاطره مقابل ما أخذت عليه.
- ورأى الثاني تصرف بقوة وغِلظة وعنده مال كثير، وكان ينبغي له بالنسبة للجائعين أن يكون له يد في المساهمة في طعامهم، وفي الجهال واجب المسلم يعلّم من كان جاهلاً، فرآه استعجل وضرب وأخذ الثوب، قال له: "ما علمت إذ كان جاهلًا ولا أطعمت إذ كان جائعًا"، رد الثوب إليه؟ وأنت تعال خذ من عندي أنا طعام ولا تأخذ حق أحد، وأمره أن ينصرف ﷺ.
قال: "وكان لا يأكل هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل منها لأجل الشاة التي أهديت له بخيبر مسمومة"، ولكن الأصح أن ذلك ما كان بعد خيبر، إنما كان أول مجيئه من الهجرة؛ أول ما وصل من الهجرة كان يأمر من يأتيه بطعام يأكل منه أولًا وذلك لما في المدينة من يهود ومنافقين ومتربصين كثير، فكان يحتاط، ويقول: يأكل منه أولاً هذا الذي جاء بطعام، فذلك في أول أيام الهجرة ثم ترك ذلك صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وما جاءت شاة خيبر إلا مُتأخرة، في آخر عمره ﷺ، في السنة السابعة من الهجرة، جاءت له وسَمّت الشاة، وقالت لهم: أي شيء يحب في الشاة؟ فقيل لها: الذراع، فزيدت سم الذراع، وابتدأ يأكل مع بعض أصحابه، فلما حمل الذراع صاح الذراع، قال: يا رسول الله إني مسموم، لا تأكلني. وكان بدأ يضعه في فمه فرجعه وقال لهم: لا تأكلوا. وكان سبق اثنان ودخل إلى جوفهم طعام، فاستدعى باليهودية فأقرت، قالت: نعم، قال: ماحملك؟ قالت: إن كان نبياً صدقاً لم يضره، وإلا استرحنا منه.
فعفا عنها في حق نفسه، فلما مات الذين أكلوا من طعامها دفعها إلى أوليائهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ ثم دعا بالحجام يَحْجُمُه، فَحَجَم في خلال الثلاث سنوات التي بقيت في كل عام يحجم مرة ليُذهب أثره؛ لأنه لما بدأ يضع الذراع في فمه دخل مع الريق بعض أثر من الذراع، ثم صاح الذراع قال: يا رسول الله لا تأكلني، صلوات ربي وسلامه عليه.
- فأيضاً الجمهور على مثل هذا، وعليه مذهب الإمام الشافعي: أنه ما يجوز أخذ شيء من البستان ولا من الحلب للإبل إلا بإذن أهلها؛ ولكن ما يسقط من نفسه وجرت العادة بالإعراض عنه والتسامح فيه فيجوز أخذه والتقاطه، أما ما يحصل بتحريكه أو برمي فلا يجوز.
وكذلك فرَّق بعضهم بين ما كان محوَّطاً وبين ما كان بغير حائط:
- فالمحوَّط دليل على أن صاحبه ما يريد أحداً أن يأخذ منه.
وعلى كلٍ اختلفوا:
- فالحنابلة عندهم بعض التساهل في الأمر، وقالوا بجواز الأكل من ثمر البستان وحلب الماشية من غير استئذان. كما يُذكر في المغني لابن قدامة يقول: من مر ببستان غيره يباح له الأكل منه، قال: إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَائِطٌ -يعني جدار يمنع الدخول إليه- قال: لحرزه، لما في ذلك من الإشعار بعدم الرضا. إذا كان هو محوطاً ومقفل عليه باب معناها ما بغى أحد يشيل من ثمره. وأوردوا في ذلك قوله ﷺ: " إذا أتى أحَدُكم حائِطًا فأرادَ أن يَأكُلَ فلْيُنادِ: يا صاحِبَ الحائِطِ -ثَلاثًا- فإن أجابَه وإلَّا فلْيَأكُلْ، وإذا مَرَّ أحَدُكم بإبِلٍ فأرادَ أن يَشرَبَ مِن ألْبانِها فلْيُنادِ: يا صاحِبَ الإبِلِ -أو: يا راعِيَ الإبِلِ- فإن أجابَه وإلَّا فلْيَشرَبْ"، هذا جاء في مسند الإمام أحمد -عليه رضوان الله-، ويذكر الشوكاني: أنه أيضاً رواه أبو يعلى وابن ماجه وابن حبان. فهذا أخذ به الحنابلة، وجاء في رواية أبي داود: " إذا أتَى أحدُكُم علَى ماشيةٍ، فيها صاحبُها فليستأذنْهُ، فإن أذِنَ فليحلبْ وليشربْ، وإن لم يَكُن فيها فليصوِّتْ ثلاثًا، فإن أجاب فليستئذنه وإلا فليتحلَّبْ وليشربْ، ولا يحملْ" ما يشيل شيء
- وعليه في كثير من البلدان يكون متعارف بينهم مسموح أن يأخذ من دون ما يحمل شيئاً، يأخذ ما يأكله في الحال لكن ما يحمل شيئاً معه، فيرجع أيضاً إلى العرف، نعم.
وجاء أيضاً عن الإمام أحمد بن حنبل وقال: يأكل مما تحت الشجر، و في الرواية الثانية عنه وقال: وإذا لم يكن تحت الأشجار فلا يأكل ثمار الناس وهو غني، ولا يأكل بضرب حجر ولا يرمي، لأن هذا يفسد.
وكذلك قال في الأكل من الزرع فيه روايتان عن الإمام أحمد بن حنبل:
- رواية قال: لا يأكل إنما الرخصة في الثمار وليس في الزرع.
- والرواية الثانية: يأكل ايضاً بالفرك، مما يفركه، لأن العادة جارية بأكله رطباً فأشبه الثمار، الذي يُفرك من السنابل ويُؤكل فمثل الثمار، وكذلك الحكم عندهم في الباقلاء والحمص وشبهه مما يؤكل رطباً فقاسوه على الثمر في الرواية الثانية عند الإمام أحمد بن حنبل.
وكذلك في حلب الماشية:
- رواية يجوز له أن يحلب ويشرب ولا يحمل.
- والثانية لا يجوز له أن يحلب ولا يشرب. وكله وردت فيه بعض الإشارات،
ففي تعدد الأحاديث الواردة دليل النظر إلى اختلاف الأحوال والعرف والمحل، والأمر راجع إلى وجود الطمأنينة من طيب نفس صاحب الحق، فإذا وجد ذلك فالأمر يدور عليه.
- وكذلك قيَّد المالكية جواز الأخذ بالحاجة، فإذا كان هناك حاجة، فإذا لم يكن له حاجة ما يمكن لا يحلب ولا يأخذ من الزرع شيئاً وهكذا.
- يقول الحنفية والشافعية: لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد ولا أن يأكل من ثمار بستانه إلا بإذنه، وكما نقرأ في الصحيحين هذا الحديث: "لا يَحلُبَنَّ أحَدٌ ماشيةَ امرِئٍ بغيرِ إذنِه، أيُحِبُّ أحَدُكُم أن تُؤتى مَشرُبَتُه، فتُكسَرَ خِزانَتُه، فيُنتَفَلَ طَعامُه؟! فإنَّما تَخزُنُ لهم ضُروعُ مَواشيهم أطعِماتِهم، فلا يَحلُبَنَّ أحَدٌ ماشيةَ أحَدٍ إلَّا بإذنِه."، لهذا قال الإمام النووي: من مر بثمر غيره أو زرعه لم يجز له أن يأخذ منه، ولا يأكل بغير إذن صاحبه إلا أن يكون مضطراً فيأكل ويضمن، ويأخذ بقدر الضرورة، ثم يسأل عن صاحبه إذا هو موسر يسلم له ثمنها.
قال: وحكم الثمار الساقطة من الأشجار حكم سائر الثمار:
- إن كانت داخل الجدار، فإن كانت خارج الجدار فكذلك إن لم تجرِ عادتهم بإباحتها -يقول النووي-.
- فإن جرت عادتهم بذلك وأنهم يتساهلون فيما يسقط من نفسه فالأصح أنها تجري مجرى الإباحة فيجوز له.
نسأل الله يرزقنا الورع والاحتياط، والمشي على سواء الصراط، والسلامة من جميع الآفات والإختباط، والاقتداء بسيد المرسلين ﷺ في كل شأن وحال وحين، وأن يصلح أحوالنا والمسلمين أجمعين، ويفرج كروب الأمة ويدفع عنهم بمحض الجود والرحمة، في لطف وجود وعافية ومَنٍّ منه سبحانه وتعالى غير محدود، ويصلح أحوال المسلمين في المشارق والمغارب، ويدفع عنهم جميع المصائب، وأن يلهمنا الرشد في كل حركة وسكون، ويثبتنا فيمن يهدون بالحق، وأن يختم لنا بأكمل الحسنى وهو راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
27 شوّال 1447