(475)
(368)
(635)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.
عصر يوم الثلاثاء 14 صفر 1448 هجري.
فما زالتْ مَطِيّةُ عَزمهِ لَا يَقَرُّ قرارُها، دائما تسْيَارُها، إِلىٰ أنْ أناختْ بحَضْرةِ القُدْس، وبِساطِ الأنس، مَحلَ المُفاتحةِ والمُواجهةِ، والمُجالسةِ والمُحادثة، والمُشاهدةِ والمطُالعة، فصارتِ الحَضْرةُ مُعَشْعَشَ قُلوبهمْ إليها يأوون، وإليها يَسْكُنُون
فإنْ نزلُوا مِنْ سماءِ الحقوقِ وأرضِ الحظوظ.. فبِالإذنِ والتَّمكين، والرُسوخِ في اليقِيْن؛ فلَمْ يَنْزِلُوا إلى الحُقُوقِ بِسُوءِ الأدبِ والغفْلة، ولا إلى الحُظُوظِ بالشَّهْوَةِ والمُنْعَةِ، بل دَخَلُوا في ذلك بالله وللّه ومِنَ اللهِ وإلى الله.
وغيرهم ممن لم يحظ بالمشاهد ويكرع هذه الحياض والموارد.
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وبسندكم إلى شارح الحكم العطائية العلامة علي بن عبد الله باراس إلى أن قال، ورضي الله عنكم:
"فهذه عباراتٌ مليحةٌ من بعض معاني يفتح الله بها على الصادقين، وينتهي إليه سير السالكين؛ فإن كان الله يريد أن يرجعه للإرشاد، ويقرب أهل الشقاق والعناد، ويطوي برَوِيةٍ المسافات البعاد، ويوصل به إليه طوائف الزهاد والعباد... أنزله في الوجود مسربلًا بملابس الأسرار، ومؤيدًا بشوارق الأنوار، ينزل في الأطوار، ويتجلَّى عن الآثار بنور في صورة نار، تحرق كثائف الأغيار، ويلبس تجلي اسمه القهار، فيقهر الظلم والأشرار، وإن شاء سبحانه.. جعله غريق التجليات والأنوار، فلا تسمع منه الأخبار، فإذا رُدَّ إلى الأغيار.. أباح بعدم الاصطبار: ردوا حبيبي إليَّ؛ فليس له عني اصطبار، ولي في ذلك:
مطية العزم للعلياء مقبلة *** فلم يقر بها من دونها الغير
مديمة السير عن ساقي بلا مهلٍ *** ما عاقها حرُّ هجير لا ولا مطر
حتى أناخت على عليا مقدسة *** وبسط أنس محل الفتح والظفر
وواجه القادم الوجه العزيز وفي *** ذاك التجلي يروق الناظر النظر
وجالس الضيف إكرامًا ولاطفه *** طيب الحديث تمام الأُنس بالسمر
وطالِعَ أوصاف ما في الكون منكتمٌ *** عن العيون وشاهد برَّه النضر
فصارت الحضرة العليا معشعشهم *** تأوي إليها قلوب السادة الغرر
وساكنت خير مألوف به ألِفَت *** من بعد طول بعاد أورث الضرر
فإن أنزلهم الله في الوجود بعد استكمال حقائق الشهود.. عادوا إلى الأشياء بالله كما خرجوا عنها به؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه في ذلك:
فَإِنْ نَزَلُوا مِنْ سَمَاءِ الْحُقُوقِ وَأَرْضِ الْحُظُوظ.. فَبِالْإِذْنِ وَالتَّمْكِينِ، والرُّسُوحُ فِي اليقِينِ؛ فَلَمْ يَنْزِلُوا إِلَى الْحُقُوقِ بِسُوءِ الْأَدَبِ وَالْغَفْلَةِ، ولا إِلَى الْحُظُوظِ بِالشَّهْوَةِ وَالْمُتْعَةِ، بَلْ دَخَلُوا فِي ذَلِكَ بالله ولله وَمِنَ الله وَإِلَى الله".
جلَّ جلاله وتعالى في علاه.
الحمد لله الذي يسهِّل الطريق، ويرفق بأهل الوجهة الصادقة إليه على التحقيق، ويتولى ذاك الفريق بعجائب من ألطافه، وإتحافه، ومِننه، وملاطفاته، ومِنَحه، وفيوضاته، وإحساناته التي لا غاية لها ولا نهاية ولا حصر لها ولا غاية؛ له الحمد وله المنة، نسأله أن ييسر لنا السبيل إليه، وأن يجعلنا في المقبلين بالكلية عليه المقبولين لديه.
وصلى الله وسلم على مفتاح باب الرحمة وسبب الوصول، سيدنا المجتبى المختار محمد المصطفى الرسول، وعلى آله وصحبه الفحول، ومن مضى على منهاجهم فيما ينوي ويعتقد ويفعل ويقول، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين لا مشابه لهم في المجد والكرامة والرفعة والمعرفة في العرض ولا في الطول، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكة الله المقربين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، البَرُّ الوصول.
أما بعد،
ذكر الشيخ أحوال من ساروا إلى الله بصدق، وركبوا مطايا العزم التي لا يقر قرارها، ويدوم تسيارها، إلى أن تنيخ بحضرة القدس وتُنَازِل في المجالات الواسعة بسائط الأنس، وحيث المفاتحة والمواجهة والمجالسة والمسامرة والمحادثة والمشاهدة والمطالعة الربانية، فأرواح الواصلين كما ذكر مُتَنَعِّمَة في تلك الحظائر الأزليات الدائمة الأبديات لا يخشون من انقطاعها عنهم.
قال: "فهذه عبارات مليحة من بعض معاني يفتح بها الرب على الصادقين، وينتهي إليه سير السالكين".
ثم منهم من يريد الله أن ينفع به، وأن يقربه، وأن يجعله سببًا للقرب إليه والوصول إليه -سبحانه وتعالى- فيردّهم إلى شهود الكائنات والموجودات، لكن بعين غير العين التي كانوا عليها قبل أن يصلوا، فيرجعون لأجل أن يُوصِلوا، وأن يقربوا، وأن يُزَكُّوا، وأن يطهروا.
فيريد الحق أن يوصل على أيديهم من عباده، فيردهم من مراتب الفناء إلى مراتب البقاء، فكما أفناهم فيه يبقيهم به -جل جلاله- بين خلقه ليكونوا سُرجًا منيرة يدلّون عليه ويوصِلون إليه.
قال: "فإن كان الله يريد أن يرجعه" إلى عالم الخلق ويبقيه به فيهم، "للإرشاد"، ليرشد الخلق ويدلهم على الطريق.
"ويقرب أهل الشقاق والعناد" على أيديهم، يحولهم من أهل شقاق وعناد إلى أهل وفاق وإسعاد.
"ويطوي برَويَّةٍ المسافات البعاد"، يُعلمون المريدين من الرَويَّة في النظر والفكر ما يقطع لهم المسافات.
"ويوصل به -سبحانه وتعالى- إليه طوائف الزهاد والعباد"، قد ارتقوا وبعدوا عن الذنوب والمعاصي، وتحققوا بالزهادة والعبادة، ولكن الحجب النورانية لا زالت حائلة بينهم وبين الشهود، فيجيئون هؤلاء ويقطعون عنهم هذه الحجب، ويزجون بهم في حُجُب النور حتى يشاهدوا ويشهدوا ويعاينوا.
قال: إذا أراد وجود هذه الأشياء على يده "أنزله في الوجود" ثاني مرة، وأعاده إلى هذا العالم لكن "مسربلًا بملابس الأسرار، ومؤيدًا بشوارق الأنوار، ينزل في الأطوار، ويتجلَّى عن الآثار بنور في صورة نار، تحرق كثائف الأغيار"، وهي الظلمات؛ سمعت؟…
"ويلبس تجلِّي اسمه القهار، فيقهر الظلم والأشرار"، ويسهل له السبيل ليهدي من شاء الله على يده ويوصلهم إلى المقام الجليل.
وإن لم يكن في مراد الله أن يُجري ذلك على يديه ولم يؤهله لذلك، "وإن شاء سبحانه.. جعله غريق التجليات والأنوار"، وذاهب فيها ما عنده خبر عن الخلق، ولا للخلق إليه نظر ولا التفات، وهو فيه وذا يقول مجنون، وذا يقول موسوس، وذا يقول ما يعرف شي؛ ويمشي… بينما هو في عالمه الوسيع الفسيح في مطالعة جمال البديع -جل جلاله-.
"وإن شاء سبحانه.. جعله غريق التجليات والأنوار، فلا تسمع منه الأخبار، فإذا رُدَّ إلى الأغيار.. أباح بعدم الاصطبار: ردوا حبيبي إليَّ؛ فليس له عني اصطبار"، وهكذا قال:
مطية العزم للعلياء مقبلة *** فلم يقر بها من دونها الغير
مديمة السير عن ساقي بلا مهلٍ *** ما عاقها حرُّ هجير لا ولا مطر
حتى أناخت على عليا مقدسة *** وبسط أنس محل الفتح والظفر
وواجه القادم الوجه العزيز وفي *** ذاك التجلي يروق الناظر النظر
وجالس الضيف إكرامًا ولاطفه *** طيب الحديث تمام الأُنس بالسمر
وطالِعَ أوصاف ما في الكون منكتمٌ *** عن العيون وشاهد برَّه النضر
فصارت الحضرة العليا معشعشهم *** تأوي إليها قلوب السادة الغرر
وساكنت خير مألوف به ألفت *** من بعد طول بعاد أورث الضرر
فإن أنزلهم الله في الوجود بعد استكمال حقائق الشهود.. عادوا إلى الأشياء بالله كما خرجوا عنها به؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه في ذلك:
فَإِنْ نَزَلُوا مِنْ سَمَاءِ الْحُقُوقِ وَأَرْضِ الْحُظُوظ.. فَبِالْإِذْنِ وَالتَّمْكِينِ، والرُّسُوحُ فِي اليقِينِ؛ فَلَمْ يَنْزِلُوا إِلَى الْحُقُوقِ بِسُوءِ الْأَدَبِ وَالْغَفْلَةِ، ولا إِلَى الْحُظُوظِ بِالشَّهْوَةِ وَالْمُتْعَةِ، بَلْ دَخَلُوا فِي ذَلِكَ بالله ولله وَمِنَ الله وَإِلَى الله"، جلَّ جلاله.
وَمِنْهُمْ رِجَالٌ ظَاهِرُونَ بِأَمْرِهِ *** لإِرْشَادِ هَذَا الخَلْقِ نَهْجَ الطَّرِيقَة
فهكذا أصناف أولياء الله -سبحانه وتعالى- ومراتبهم.
يقول هؤلاء الأولياء وأصنافهم:
فَمِنْهُمْ مُقِيمٌ فِي الأَنامِ وَإِنَّهُ *** لَمَسْتُور عَنْهُمْ تَحْتَ أَسْتَارِ غَيْرَةِ
يَرَاهُ الوَرَى إِلَّا القَلِيل كَغَيْرِهِ *** مِنَ الغَافِلِينَ التَّارِكِينَ اسْتِقَامَةِ
ولا يهتدون إليه ولا ينتفعون به.
وَمِنْهُمْ رِجَالٌ يُؤْثِرُونَ سِيَاحَةً *** وَسُكْنَى مَغَارَاتِ الجِبَالِ وَقَفْرَةِ
يَسِيحُونَ مِنْ شِعْبٍ إِلَى بَطْنِ وَادِي *** وَكُلِّ خَرَابِ وَالفَيَافِي الخَلِيَّةِ
مستأنسين بالله تعالى، فارِّين من الوجود والكائنات.
وَمِنْهُمْ رِجَالٌ ظَاهِرُونَ بأَمْره *** لإِرْشَادِ هَذَا الخَلْقِ نَهْجَ الطَّرِيقَةِ
لَهُمْ هِمَّةٌ فِي دَعْوَةِ الخَلْقِ جُمْلَةً *** إِلَى اللهِ عَنْ نُصْح وَلُطْف وَرَحْمَةِ
فَهُمْ حُجَّةٌ لِلمُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ *** وَفِيهِمْ لِمُرْتَادِ الهُدْى خَيْرُ قُدْوَةِ
وَحَتْفٌ عَلَى أَهْل الضَّلَالِ وَحُجَّةٌ *** تَقُومُ عَلَى أَهْلِ الشَّقَاقِ وَشِقْوَةِ
وَكُلٌّ عَلَى نَهج السبيل السَّوِي لَمْ *** يُخَالِفَ أَمْرًا آخِـذَا بِالشَّرِيعَةِ
فيقول عن رؤية هؤلاء الأصناف وظفره بلقائهم:
فَوا أَسَفِي إِنْ مُتُ مِنْ قَبْل أَنْ أَرَى *** وُجُوهًا عَلَيْهَا نُورُ عِلْمٍ وَخَشْيَةِ
وَجَلْوَةُ إخْلَاصٍ وَصِدْقٍ وَقُرْبَةٍ *** وَآثَارُ كَشْفِ الغَيْبِ عَنْ ذَوقِ خِبْرَةِ
وَأَسْمَعَ مِنْهُمْ كُلَّ عِلْمٍ مُقَدَّسٍ *** عَنِ الحِس وَالأَوْهَامِ مِنْ فَتْح حِكْمَةِ
وَأَنْشَقَ مِنْ أَرْيَاحِهِمْ كُلَّ طَيِّبٍ *** ذَكِيٍّ تَطِيبُ الرُّوحُ مِنْهُ بِشَمَّةِ
وَأُمْسِي بِهِمْ فِي مَوْقِفِ الشَّرْعِ سَالِكًا *** طَريقَةَ حَقٍّ وَاصِلًا لِلحَقِيقَةِ
فَلِلَّهِ أَقْوَامٌ نَأَى البَعْضُ مِنْهُم *** عَن البَعْض إيثَارًا لِمَقْصُودِ خَلْوَةِ
وَأُنْسًا بِمَوْلَاهُمْ وَشُغُلًا بِذِكْرِهِ *** وَخِدْمَتِهِ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالَةِ
وَحِرْصًا عَلَى هَذَا الخُمُولِ لأَنَّهُ *** أَمَانٌ لِأَهْلِ اللهِ مِنْ شَرٌ شُهْرَةِ
وَحُبَّ انْقِطَاعِ وَاعْتِزَالٍ فَإِنَّ فِـيـ *** همَا طِيبَ عَيْش فِي زَمَانِ البَلِيَّة
فمنهم ومنهم ومنهم…… وهكذا
قال:
وَإِنَّ الَّذِي لَا يَتْبَعُ الشَّرْعَ مُطْلَقًا *** عَلَى كُلِّ حَالٍ عَبْدُ نَفْسٍ وَشَهْوَةِ
صَرِيعُ هَوىً يُبْكَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ *** هُوَ المَيْتُ لَيْسَ المَيْت مَيْتَ الطَّبِيعَةِ
وَمَا فِي طَرِيقِ القَوْمِ بَدْءًا وَلَا انْتِهَا *** مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْعِ فَاسْمَعْ وَأَنْصِتِ
وَخَلَّ مَقَالَاتِ الَّذِينَ تَخَبَّطُوا *** وَلَا تَكُ إِلَّا مَعْ كِتَابٍ وَسُنَّةِ
فَثَمَّ الهُدَى وَالنُّورُ وَالأَمْنُ مِنْ رَدَى *** وَمِنْ فِتْنَةٍ تُخْشَى وَزَيْعَ وَبِدْعَةٍ
إلى قوله رضي الله عنه وعنكم:
"فإن أراد سبحانه صحوهم بعد محوهم، وفَرْقهم بعد جمعهم.. أنزلهم مؤيدين بالروح الرباني، منصورين بالعزِّ الصمداني، ظاهرين بالدمغ الحقاني، أنزلهم في أطوار الوجود، يكتسبون كمال الحق في مظاهر الوجود، مؤدّين لحقائق الواحد المعبود، فينزلون من منتهى نهاية الجمع الأحدي إلى سماء ظهور تجلي معاني الأسماء ومقتضيات الشؤون، فيرجعون إليها بالأدب واليقظة، ونزولهم أيضًا إلى أرض الحظوظ البشري ليس بالشهوة والمتعة، كما أن ذلك كله شأن أهل الحجاب والقطيعة، دخول الأشياء بحكم الشهوة والطبيعة، ورجوعهم تكميلٌ للعباد، ورحمة للبلاد.
فهم بطريق الإشارة الفرقة النافرة، والعصابة الظافرة، (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) [التوبة:122]، فاستفادوا الحسنيين: الفقه في الدين، وشروق اليقين، فيرجعون إلى الأشياء بهذه الأوصاف متصفين، وبهذه الخلال متحلّين، فيدخلون في الأشياء بالفقه والبصيرة، فلا يأخذون ولا يذرون، ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يتحرَّكون ولا يسكنون إلا عن إذنٍ من الله.
شاهد ذلك يتراءى لهم في الوجود عيانًا، ولكن يتأدَّبون مع الحكم الشرعي، يحكمون على أنفسهم بما كوشفوا دون غيرهم إلا من طريق الفتوى، فهم الذين وقعوا على حقيقة الأمر إذ وهِمَ المحجوبون وحكموا بالظنون، فهم الذين يمشون بين الناس بالنور المجعول لهم.
فإذا كان الأمر لله بشاهد اليقين.. فآمنوا فيه بالله؛ لأنهم لم يزايلهم شهود جمعهم في فرقهم، ولا محوهم في صحوهم، فهم بظاهر خلقيتهم وشهود صوريتهم في الوجود مشهودون، وبباطن روحانيتهم في الشهود مفقودون؛ فالبصائر في الشهود دائمة، والأبصار في الوجود نائمة، ومعظم مواجيد هذه الحالات لا تعرف إلا لأربابها ذوقًا وتحقيقًا".
لا إله إلا الله، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.
فهؤلاء الذين صدقوا مع الله واتصلوا بالعلم والعمل والإقبال عليه -عز وجل- على أيدي الشيوخ المُسلِّكين؛ حتى نالوا شرف الوصول إلى الرحمن -جل جلاله- منهم من يختارهم الله للرجوع إلى هذا العالم، أي من حيث التفاتهم وانتباههم لكن بصورة أخرى؛ لأجل أن يدلِّون الناس ويرشدوهم ويكونون سببًا للإيصال والفتح واستنزال العطايا الجزال.
قال: "فإن أراد سبحانه صحوهم بعد محوهم"؛ أن يصحوا بعد أن مُحوا ولم يبقَ منهم بقية من أنفسهم. "وفرْقهم بعد جمعهم"؛ أي: بعد أن جُمعوا عليه ولم يحسوا بشيء سواه، ثم أراد أن يخاطبوا عبادَه ويكلموهم ويشعروا بما يجري بينهم ويرشدوهم.. "أنزلهم مؤيدين بالروح الرباني"، قال تعالى:
هكذا يقول: "مؤيدين بالروح الرباني، منصورين بالعزِّ الصمداني"، (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون:8].
"ظاهرين بالدَّمْغِ الحَقَّاني"؛ مؤيدين من الله بالدمغ يدمغون الباطل وظلماته بنور الحق، ظاهرين بالدمغ الحقاني كما قال: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ) [الانبياء:18].
فبواسطتهم وبنور الحق الذي معهم:
وقال ﷺ وهو يكسر الأصنام حوالي الكعبة في مكة: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81].
"أنزلهم في أطوار الوجود، يكتسبون كمال الحق في مظاهر الوجود"، لا إله إلا الله!
ما يهبهم من الكمالات الحقيَّة في مظهر هذا الوجود فهم: أحدهم متصف بالبَرِّ، متصف بالشكور، متصف بالصبور، متصف بالحليم، هذه كمالات يجعلها الله تعالى لمن شاء في الإنسان من صفاته وأسماؤه، يُحَلِّيهم بما يليق بالخلق أن يتحلَّوا به منها.
…………….. هيهات ما المخلوق مثل خالق
جل جلاله وتعالى في علاه.
ولكن هذا التجلي الرباني لأهل هذه المعاني يرفعهم به -سبحانه وتعالى- إلى ذلك المقام الرفيع، فلا يلحقهم قاصٍ ولا دانٍ، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.
يقول: "مؤدّين لحقائق الواحد المعبود" بإقامة العبودية له سبحانه، "فينزلون من منتهى نهاية الجمع الأحدي إلى سماء ظهور تجلي معاني الأسماء ومقتضيات الشؤون" في المسلك الواحدي، "فيرجعون إليها بالأدب واليقظة، ونزولهم أيضًا إلى أرض الحظوظ البشري ليس بالشهوة والمتعة" -أبدًا- "كما أن ذلك كله شأن أهل الحجاب والقطيعة".
هؤلاء يتعاملون مع الأشياء تعامل المحجوبين المقطوعين الغافلين فما يحبون إلا كما قال الله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) [محمد:12].
أما أهل الله:
أما غيرهم (كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ) كما قال الله تعالى، هؤلاء أهل قطيعة.
"دخول الأشياء بحكم الشهوة والطبيعة" -هذا حال أهل القطيعة-، "ورجوعهم تكميل للعباد، ورحمة للبلاد.
فهم بطريق الإشارة الفرقة النافرة، والعصابة الظافرة، (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ) [التوبة:122]، فاستفادوا الحسنيين: الفقه في الدين، وشروق اليقين، فيرجعون إلى الأشياء بهذه الأوصاف متصفين، وبهذه الخلال متحلّين، فيدخلون في الأشياء بالفقه والبصيرة، فلا يأخذون ولا يذرون" -يعني: يتركون-، "ولا يعطون ولا يمنعون، ولا يتحرَّكون ولا يسكنون إلا عن إذنٍ من الله".
في شريعته ودينه، وما يقذفه في بواطنهم مما يحب -جل جلاله- كما علَّمها النبي حتى عموم الأمة؛ إذا أراد أحدهم أن يَقْدِم على أمر مهم من سفر أو تجارة أو زواج أو غير ذلك، قال صلِّ الاستخارة، "كان رَسولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنا الِاستِخارةَ كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ"، حتى يمضي على ما ينشرح به صدره، فهو الإذن من ربه، هذا عموم الأمة.
وهؤلاء ما ينقذف في صدورهم أمر أوضح وأفصح عن مراد الحق -تبارك وتعالى- ومحبوباته كما هو؛ فعن إذن الله -تعالى- يقولون ويفعلون ويدخلون ويخرجون ويسافرون ويقيمون ويأخذون ويعطون:
قال: "شاهد ذلك يتراءى لهم في الوجود عيانًا، ولكن يتأدَّبون مع الحكم الشرعي، يحكمون على أنفسهم بما كوشفوا دون غيرهم إلا من طريق الفتوى".
فيفتون بما يوافق الدين وظاهر الشرع المصون، وهو الذي أيضًا أشار إليه ﷺ: "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ أخِيهِ شيئًا، بقَوْلِهِ: فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النّارِ".
يقول: "فهم الذين وقعوا على حقيقة الأمر إذ وهِمَ المحجوبون وحكموا بالظنون" -هذا المحجوبون-، "فهم الذين يمشون بين الناس بالنور المجعول لهم"
لذا قال: "فإذا كان الأمر لله بشاهد اليقين.. فآمنوا فيه بالله؛ لأنهم لم يزايلهم شهود جمعهم في فرقهم، ولا محوهم في صحوهم، فهم بظاهر خلقيتهم وشهود صوريتهم في الوجود مشهودون، وبباطن روحانيتهم في الشهود مفقودون؛ فالبصائر في الشهود دائمة، والأبصار في الوجود نائمة، ومعظم مواجيد هذه الحالات لا تُعرَف إلا لأربابها ذوقًا وتحقيقًا".
وإنما يتحدث عن أوصافهم رجاء التشويق والترغيب.
إلى أن قال رضي الله عنه وعنكم:
"وغيرهم ممن لم يحظ بهذه المشاهد، ولم يكرع هذه الحياض والموارد.. قد يفهم بعض إشاراتهم بكمال تخلقه في غريزته، ولكن إن وقف عند علمها دون ذوقها.. وقع في مهواة الدعوى، وحُرِمَ من المنن وحلاوة السلوى، ولا بد أن يستبدل بما هو خيرٌ الأدنى؛ كما شوهد من خلقٍ كثيرٍ الوقوف عندما ظهر بمجرد القريحة في كتب المحققين، وظنوا أنهم وقعوا على حقيقة من الوصال؛ وهم يخبطون في عشواء وضلال وعمىً وبطال، لا يميزون بين الوصال والانفصال، ولا بين الأقوال والأفعال، ولا بين المقامات والأحوال، بل بارزون في حلل الجدال، ومصممون على ما يظهر لهم في تخبيط وخبال، وأوهام وخيال، فنعوذ بالله من الاغترار، بما تحلَّى به الأشرار، من الظهور بزي الأخيار، والتلبُّس بملابس الأحبار، وهم من الذين قال الله فيهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة:5].
فأهل الحق لهم سيما تميزهم، وعلامات تُعرِّفهم؛ فإن دخلوا في الأشياء.. فبالله مستعينين، وبالله عائذين، ومن الله بالإذن آخذين، وإلى الله في جميع ذلك راجعين، ولي في ذلك:
إذا أراد نزول القوم أنزلهم *** إلى سما حق معبود به نزلوا
وأرض حظ نفوس كان مرجعهم *** إليه منها وعن عاداتها ارتحلوا
لا ينزلون إلى حق بلا أدب *** ويقظة بل على التحقيق إن نزلوا
ولا الحظوظ بشهوة أو متاع الغافل الهمل، فيدخل في الأشياء بالله بعد أن خرج عنها به!! وهذا والله معنى الآية التي استشهد بها المؤلف بهذا المعنى؛ كما قال:
(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) لِيَكُونَ نَظَرِي إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ إِذَا أَدْخَلْتَنِي، وَاسْتِسْلَامِي وَانْقِيَادِي إِلَيْكَ إِذَا أَخْرَجْتَنِي".
(رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا) [الإسراء:80]
يا رب العالمين.
قال: من لم يصل إلى هذه الأذواق فربما يدَّعي ويظن أنه وصل ولم يصل، كيف؟
قال: إذا "لم يحظ بهذه المشاهد، ولم يكرع هذه الحياض والموارد.. قد يفهم بعض إشاراتهم بكمال تخلقه في غريزته" وذكائه وفطنته، "ولكن إن وقف عند علمها دون ذوقها.. وقع في مهواة الدعوى". فيدّعي..
يأتي ببديع كلامهم عن الإخلاص ويظن أن هو ذا هو الإخلاص، ويأتي ببديع كلامهم عن الزهد ويظن أن هو ذا هو الزهد!.. وهو راغب في الدنيا من رأسه إلى قدمه! لكن يجيب كلام الزهاد، وما قَدَر الدنيا وماذا تساوي، وهي كالجيفة القذرة، يظن هو ذا هو الزهد! هل هو ذا زهد هو؟ هذا كلام.. كلام من كلامهم البديع ما ذقتها.
يجيب كلامهم عن التواضع وما قالوا، يظن أن هو ذا هو قده التواضع؛ وهو متكبر، في قلبه متكبر على الصغير وعلى الكبير والعياذ بالله تعالى!
ويجيب كلامهم عن الشكر لله تعالى وكيف هو، ويظن أنَّ هو ذا هو الشكر وهو جزِع، سخط بقلبه، عنده بَسْ كلام وعلم بلا ذوق، ماشي ذوق.
وَاجْعَلِ العِلْمَ مُقْتَدَانَا بِحُكْمِ الـذَّ *** وقِ فِي فَهُم سِر مَعْنَى الـمَعِيَّة
يارب..
قال: "وقع في مهواة الدعوى، وحُرِمَ من المنن وحلاوة السلوى، ولا بد أن يستبدل بما هو خيرٌ الأدنى"؛ يستبدل الأدنى بما هو خير؛ "كما شوهد من خلق كثير الوقوف عندما ظهر بمجرد القريحة في كتب المحققين، وظنوا أنهم وقعوا على حقيقة من الوصال؛ وهم يخبِّطون في عشواء وضلال وعمىً وبطال، لا يميزون بين الوصال والانفصال، ولا بين الأقوال والأفعال، ولا بين المقامات والأحوال، بل بارزون في حلل الجدال، ومصمّمون على ما يظهر لهم في تخبيط وخبال، وأوهام وخيال، فنعوذ بالله من الاغترار، بما تحلَّى به الأشرار، من الظهور بزي الأخيار، والتلبُّس بملابس الأحبار، وهم من الذين قال الله فيهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)"، حمار حمّلناه كتب فيها علم غزيرقَوِيَ، واحد شاف الكتب هذه، يقول: هذا عالم الحمار! ماهو عالم ولا عنده علم، عالِم أيش؟! .. عالم! والإنسان الذي يذكر كلام أهل الذوق والمعرفة وهو ما ذاق مثل الحمار فوقه أسفار، لا عنده ذوق ولا عنده علم، عنده لقلقة باللسان.
لا إله إلا الله، اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.
قال تعالى: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ)[الجمعة:5].
وأهل الحق لهم سيما تميزهم *** والوِرْدُ يمتاز بالسيما عن السَّلَم
*********
حال ذوي الدعوى لهم تفارق *** بنور فرقانٍ يراه الذائق
لا بارتفاع الجاه والخوارق *** ولا بحُسن الوعظ والأقوال
فإنهم كل منيبٍ خاشع *** كل ذي قلب منيرٍ لامع
لا من يشير الناس بالأصابع *** وهو من السِّر المصون خالي
"فأهل الحق لهم سيما تميزهم، وعلامات تُعرِّفهم؛ فإن دخلوا في الأشياء.. فبالله مستعينين، وبالله عائذين، ومن الله بالإذن آخذين، وإلى الله في جميع ذلك راجعين". (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات:50].
وهكذا يقول:
"إذا أراد نزول القوم أنزلهم *** إلى سما حق معبود به نزلوا
وأرض حظ نفوس كان مرجعهم *** إليه منها وعن عاداتها ارتحلوا
لا ينزلون إلى حق بلا أدب *** ويقظة بل على التحقيق إن نزلوا
ولا الحظوظ بشهوة أو متاع الغافل الهمَل، فيدخل في الأشياء بالله بعد أن خرج عنها به!! وهذا والله معنى الآية التي استشهد بها المؤلف بهذا المعنى؛ كما قال:
(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ)".
سنتحدث عنها إن شاء الله.
وَفِّرْ حظنا من نبيك، وَفِّرْ حظنا من قربه، وَفِّرْ حظنا من حبه، وَفِّرْ حظنا من شربه، وَفِّرْ حظنا من عنايته، وَفِّرْ حظنا من رعايته، وَفِّرْ حظنا من إيثاره، تولنا به حيث ما كنا وأين ما كنا، وقِنا به شرور أنفسنا، وقِنا به سيئات أعمالنا، وقِنا به جميع القواطع والعجب، وارزقنا كمال التمكين في الوصول وكمال التمكين في الايصال، ورَقِّنَا أعلى ذرى الكمال، وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ومن كل سوء أحاط به علمك في الدنيا والمآل، وانظمنا في سلك هذا الحبيب، وقربنا مع أهل التقريب، ووفر لنا منه وبه وفيه الحظ والنصيب، واجعلنا على قدم الصدق معك، والإخلاص لوجهك في جميع الشؤون في الظهور والبطون، وأثبت كلًا منا وأحبابنا هؤلاء فيمن يهدون بِالحقِّ وبه يعدلون، واختم لنا بأكمل الحسنى وأنت راض عنا في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
وإِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
05 ربيع الأول 1448