المكاتبات والمناجاة الإلهية - 8 | وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الأحد 19 صفر 1448هـ

وصاحبُ حقيقةٍ غاب عنِ الخَلْقِ بِشُهُودِ المَلِكِ الْحقِّ، وفَنِيَ عنِ الأسباب، بِشُهُودِ مُسَبِّبِ الأسباب؛ فهذا عَبْدٌ مُوَاجَهٌ بِالحقيقةِ، ظاهرٌ عليهِ سناها، سالكٌ لِلطَّريقة، قدِ استولى على مداها، غيرَ أنَّهُ غريقُ الأنوار، ومطموسُ الآثار، قد غلب سُكْرُهُ على صَحْوِه، وجَمْعُهُ على فَرْقِه، وقَنَاؤُهُ على بقائه، وغَيْبَتُهُ على حضورِه

وأَكْمَلُ مِنهُ عَبْدٌ شرب فازدادَ صَحْوا، وغابَ فازدادَ حُضُورا؛ فلا جَمْعُهُ يَحْجُبُهُ عن فَرْقِه، ولا فَرْقُهُ يَحْجُبُهُ عن جَمْعِه، ولا فناؤُهُ يَصْرِفُهُ عن بقائه، ولا بقاؤُهُ يَصْرِفُهُ عن فنائه، يُعطي كلَّ ذي قِسطٍ قِسطَه، ويُؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه

وقد قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي اللهُ عنه لعائشةَ رضي اللهُ عنها لمَّا نزلتْ براءتُها مِن الإفكِ على لسانِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: يا عائشةُ؛ اشكري رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالتْ: واللهِ؛ لا أشكرُ إلّا الله، دلَّها أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه على المقامِ الأكملِ؛ مقامِ البقاءِ المُقتضي لإثباتِ الآثار، وقد قال اللهُ تعالى: (أَنِ اشْكَرْ لي وَلِوَلَدَيْكَ)، وقال صَلواتُ اللهِ عليه وسلامُه: ( لَا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ )، فكانتْ هي في ذلك الوقتِ مُصطلِمَةً عن شاهدِها، غائبةً عنِ الآثارِ، فلمْ تَشهدْ إلّا الوَاحِدَ القَهَّار

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم أجمعين، وبسندكم المتصل إلى الإمام ابن عطاء الله السكندري والإمام علي بن عبد الله باراس نفعنا الله بعلومهما وعلومكم وعلوم سائر الصالحين،  إلى أن قال:

"وأمَّا القسم الثاني.. فهو الطرف المصطلم بالحقيقة، ولم يشهد الخليقة كما قال المؤلف رضي الله عنه:

"وَصَاحِبُ حَقِيقَةٍ غَابَ عَنِ الْخَلْقِ، بِشُهُودِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَفَنِيَ عَنِ الْأَسْبَابِ، بِشُهُودِ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ؛ فَهَذَا عَبْدٌ مُوَاجَهٌ بِالْحَقِيقَةِ، ظَاهِرٌ عَلَيْهِ سَنَاهَا، سَالِكٌ لِلطَّرِيقَةِ، قَدِ اسْتَوْلَىٰ عَلَى مَدَاهَا، غَيْرَ أَنَّهُ غَرِيقُ الْأَنْوَارِ، وَمَطْمُوسُ الْآثَارِ، قَدْ غَلَبَ سُكْرُهُ عَلَى صَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ عَلَى فَرْقِهِ، وَفَنَاؤُهُ عَلَى بَقَائِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَلَى حُضُورِهِ."

   فصاحب الحقيقة: هو الفاني بها عن كل مشهود سواها، والحقيقة: هي إقامة الله لعبده، وتأهيله لشهود كمال ذاته العلية، وصفاته السنية، وتجلياته الأزلية، فلا ظهور هنالك للأغيار، ولا بيان للآثار، ويسمى هذا: المشهد الحق؛ وذلك أن الباطل لا ظهور له معه، والملك هو القاهر؛ لقهره لمن سواه.

 ومن أُقيمَ في هذا المقام.. يسمى فانيًا، وحالته الفناء عن الأسباب؛ لأنه شهد مسببها، وكل الخلق وأفعالهم أسباب لمسبب، فلا جرم أن مَن أشهده كماله ومنحه قربه ووصاله.. أن يغيب عنها؛ كما هو مشهود فيمَن استغرقه مُهمٌّ من الأمور الحسية يغيب بالاهتمام به عن الأشياء.

"فَهَذَا عَبْدٌ مُوَاجَةٌ بِالْحَقِيقَةِ" من الله، مخطوب لحضرته، مطموس تحت أنوار عظمته، "ظَاهِرٌ عَلَيْهِ سَنَاهَا" مشرق عليه ضياها، فغاب بها عمَّن سواها، "سَالِكٌ" لطريق الحق، تارك لما وراءه، "قَدِ اسْتَوْلَىٰ"؛ أي: وصل وحصل "عَلَى مَدَاهَا أي: غايتها ومنتهى حضور قدسها، والكون تحت ظل أنسها؛ فهو الذي تولى الظل "غَيْرَ أَنَّهُ غَرِيقُ الْأَنْوَارِ" مقهور بتجلي الاسم القهار للأغيار، "وَمَطْمُوسُ الْآثَارِ" ألقي في تيار بحار الأسرار، لا يدري ليلاً من نهار.

  "قَدْ غَلَبَ سُكْرُهُ" بخمرة التجلي العقار "عَلَى صَحْوِهِ" وهو الإفاقة بالله، وإثبات الأشياء به، وإعطاء وجود الحق فيها حقه، و"جَمْعُهُ" بالله الذي لا يعطي صاحبه تمييزًا ولا تقريرًا؛ لغلبة تجلي وصفه العزيز، "عَلَى فَرْقِهِ" المطلوب منه؛ وهو الفرق الشرعي الذي يعطي الحقوق حقَّها، ويوفي المقامات مستحقها، "وَفَنَاؤُهُ" بالله عن الأسباب "عَلَى بَقَائِهِ" بمسببها، "وَغَيْبَتُهُ عَلَى حُضُورِهِ".

 

صلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. 

الحمد لله الذي يرفع درجات من يشاء، وهو الذي أوجد وأنشأ، ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، يجلي عن قلب كل صادقٍ الظلمات التي لقلبه تغشى، ونشهد أن سيدنا ونبينا وقرة أعيننا ونور قلوبنا محمدًا عبده ورسوله، أكرم من زكى به النفوس ورفع به الغشاء. 

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك الحبيب المحبوب سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن في دربه ومسلكه القويم مشى، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين الذين جعلتهم الأكرم والأعظم لديك في كل خلق وإيجاد وإنشاء، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، يا من لا يكون في ملكهِ وملكوتهِ إلَّا ما يشاء.

ويتكلم الشيخ عن أصحاب القسم الثاني من الثلاثة الأقسام الذين ذكرهم في مقابلة النعم التي ينعم الله بها عليهم، فمنهم:

  •  الأول: أهل الحس الغافلون، المنهمكين في عالم الأسباب والحسيات والماديات، لا يلتفتون إلى ما وراءها من المعنويات والملكوتيات والغيبيات، فهؤلاء في حبس وقصر، وهم جميع الكفار ومن شابههم من الغافلين من المؤمنين، فهم في غفلاتهم لاهون وساهون يلعبون كما قال الله: (قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)[الأنعام:91]، وقال: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء:1-3] -والعياذ بالله-.
  • القسم الثاني: هؤلاء قوم اصطلموا، ومعنى اصطلموا: إشراق نور اليقين في قلوبهم، غيَّبَهم عن شهود كثير من هذه الكائنات الموجودات. 

قال: هذا يكون أحدهم "وَصَاحِبُ حَقِيقَةٍ غَابَ عَنِ الْخَلْقِ، بِشُهُودِ الْمَلِكِ الْحَقِّ، وَفَنِيَ عَنِ الْأَسْبَابِ، بِشُهُودِ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ؛ فَهَذَا عَبْدٌ مُوَاجَهٌ بِالْحَقِيقَةِ".

واجهته الحقيقة، سناها غلب عليه، وسَلَك للطريقة، واستولى عليه -غلب عليه- مداها، سَارَ وقد وصل وحصَّل، فمداها غايتها ومنتهاها غلب عليه.

 قال: "قَدِ اسْتَوْلَىٰ عَلَى مَدَاهَا، غَيْرَ أَنَّهُ غَرِيقُ الْأَنْوَارِ"، غارق في هذه الأنوار، "وَمَطْمُوسُ الْآثَارِ، قَدْ غَلَبَ سُكْرُهُ عَلَى صَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ عَلَى فَرْقِهِ، وَفَنَاؤُهُ عَلَى بَقَائِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَلَى حُضُورِهِ".

كما يشرح يقول: "فصاحب الحقيقة: هو الفاني بها عن كل مشهود سواها".

وما الحقيقة؟  "والحقيقة: هي إقامة الله لعبده، وتأهيله لشهود كمال ذاته العلية"، "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، هذا مفتاح الحقيقة وبداية الحقيقة: "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ". 

وحينئذ إذا تمكن في قلبك "كَأنَّكَ تَراهُ":  شهدتَ من عظمته وعلو ذاته وأسمائه وصفاته -جل جلاله- وتجلياته، "فلا ظهور هنالك للأغيار، ولا بيان للآثار، ويسمى هذا: المشهد الحق"؛..  "ومن أُقيمَ في هذا المقام.. يسمى فانيًا"؛ الفاني فاني في الله -تبارك وتعالى، "وحالته الفناء عن الأسباب؛ لأنه شهد مسببها، وكل الخلق وأفعالهم أسباب لمسبب، فلا جرم أن مَن أشهده كماله ومنحه قربه ووصاله.. أن يغيب عنها؛ كما هو مشهود فيمَن استغرقه مُهمٌّ من الأمور الحسية يغيب بالاهتمام به عن الأشياء".

حتى من استغرقه مشهود شيّ من الأمور الحسية قال لك يغيب عن باقي الحسيات التي حواليه، لو تجده تعلَّق قلبه حتى ولو بقصة، ولو بمسلسل ولما يسمعها يقبل بالكلية عليها، ما عاد يدري من جنبه، من جاء، أحد دخل، أحد خرج ولا هو داري، يستمع هكذا، ويؤخذ به ويغيب عما حواليه.

وإن تعلق بالأخبار كذلك، مُرَكِّز عيونه وقلبه وسمعه وبصره وشعره وكله، يستمع إلى النشرة حق الأخبار، تدخل زوجته، يدخل ولده، يدخل عمه ولا يدري بأحد منهم! يقولون له: هَي، جبنا لك ذا، حطينا عندك…، يقول: هاه متى؟ غافل و مستغرق! مع أنه بشيء حقير حسي. 

حتى ولو كان لعب، أو كأس العالم، مُرَكِّز.. وما عاد درى بالعالم كله، وما أدري ايش من كأس عندهم! ولا أحد يشرب كأس؟ ولا شي عندهم كأس! لكنها شيء من اللهو الذي يستغرق كثير من العقول والقلوب. 

فكيف من أشرق في قلبه نور عظمة الله وجلاله، تريده يحس بك وبالأشياء هذه؟! أنت مجنون! استغرقوا بحسيات وغابوا عما سواها، فكيف إذا استغرقهم نور العلي الأعلى خالق الحس والمعنى، من بيده ملكوت كل شيء؟! -جل جلاله وتعالى في علاه-.

وهكذا قال: "فَهَذَا عَبْدٌ مُوَاجَةٌ بِالْحَقِيقَةِ" من الله، مخطوب لحضرته، مطموس تحت أنوار عظمته، "ظَاهِرٌ عَلَيْهِ سَنَاهَا" مشرق عليه ضياها، فغاب بها عمَّن سواها، "سَالِكٌ" لطريق الحق، تارك لما وراءه، "قَدِ اسْتَوْلَىٰ"؛ أي: وصل وحصل "عَلَى مَدَاهَا أي: غايتها ومنتهى حضور قدسها، والكون تحت ظل أنسها؛ فهو الذي تولى الظل "غَيْرَ أَنَّهُ غَرِيقُ الْأَنْوَارِ" مقهور بتجلي الاسم القهار للأغيار"، لا إله إلا الله.

وقال : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ"، أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ؛ فيكون مع الحق بلا باطل؛ لا إله إلا الله!.

 قال: ""قَدْ غَلَبَ سُكْرُهُ" بخمرة التجلي العقار"، يعني: الشراب المسكر المعنوي، "عَلَى صَحْوِهِ" وهو الإفاقة بالله، وإثبات الأشياء به، وإعطاء وجود الحق فيها حقه، وغلب "جَمْعُهُ" بالله الذي لا يعطي صاحبه تمييزًا ولا تقريرًا؛ لغلبة تجلي وصفه العزيز، "عَلَى فَرْقِهِ" المطلوب منه؛ وهو الفرق الشرعي الذي يعطي الحقوق حقَّها".

قال: فهذا صنف ثاني، هم أمام هذه النعم مستغرقون بالمنعم -جل جلاله وتعالى-، متعلقون بشكره -سبحانه وتعالى- به وبفضله وبتوفيقه -جل جلاله-، والشاكر يزيده الله؛ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7].

 

رضي الله عنكم، إلى أن قال المؤلف رحمه الله تعالى:

"ومقام البقاء والحضور هو الذي يتم به السرور، ويتوالى به الحبور، ويتنعم الناظر بالمنظور، وتنشرح به الصدور، قال الله جل وعلا في الامتنان على نبيه بذلك: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح:1]، وهنا ترفع الستور، وتتجلى البدور الكامنة تحت الخدور؛ فكل صاحب حقيقة غاب فيه به عن كل مشهود في الكونين.. إلا هو قد لاح ظاهر سناها فيه منه له، لكنه بعد لم يشهد خباياه.

وقسمٌ ثالث؛ وهم أهل الكمال الحاصلون على أعزِّ منال؛ وهو الذي جمع الأمرين، وأحكم المقامين، ونظر بالعينين؛ كما قال المؤلف رضي الله عنه:

وَأَكْمَلُ مِنْهُ عَبْدٌ شَرِبَ فَازْدَادَ صَحْوًا، وَغَابَ فَازْدَادَ حُضُورًا؛ فَلَا جَمْعُهُ يَحْجُبُهُ عَنْ فَرْقِهِ، وَلَا فَرْقُهُ يَحْجُبُهُ عَنْ جَمْعِهِ، وَلَا فَنَاؤُهُ يَصْرِفُهُ عَنْ بَقَائِهِ، وَلَا بَقَاؤُهُ يَصْرِفُهُ عَنْ فَنَائِهِ، يُعْطِي كُلَّ ذِي قِسْطِ قِسْطَهُ، وَيُؤْتِي كُلَّ ذِي حَق حَقَّهُ.

 هذا مقام أهل الكمال الواصلين إلى ذروة الوصال، والحاكمين على الأحوال، ولم يشطحوا في المقال، ولم يُقصِّروا في الأفعال، ولكن يعطون كل ذي قسط من الأحكام الشرعية قسطه -أي: حكمه- لا ينقصهم ما يتوالى على أسرارهم من سُكر الشهود، ولا يوثقهم عن الوفاء بحق المعبود، ما يعتورهم من مخالفات الأحكام والحدود؛ فلهم وجه في الشهود، ووجه في الوجود، وهذا مقام الصديقية، ولي في ذلك:

أهل الكمال لهم في القرب أحوال *** عواليٌ في مقامِ عَزَّ مرماهُ 

يوفون كل مقامٍ ما يكون له *** وهم في القُرب في غايات علياهُ

وانظر إلى كلام أهل هذا المقام، كيف وفُّوا فيه على التمام؛ كيف قال مفسرًا لما قدَّمه من الكلام على المقامين بكلام الصديق الأكبر في ذلك، حيث قال: .."

 

رضي الله تعالى عنه يقول: وأن هذه مقامات البقاء والحضور يتحدث عنها صالحو عباد الله -تبارك وتعالى- المتفرعة عن معاني الإحسان.

 قال: "يتم به السرور، ويتوالى به الحبور، ويتنعم الناظر بالمنظور"، (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الانعام:75]، "وتنشرح به الصدور، قال الله جل وعلا في الامتنان على نبيه -المصطفى ﷺ- بذلك: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) [الشرح:1]". 

سيدنا موسى لما استلم الرسالة طلب اعطاء شرح الصدر، (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) [طه:25-26]، لكن الحبيب ﷺ من دون ما يطلب قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) [الشرح:2-1]. 

وهكذا مقاماته ﷺ عند الحق تبارك وتعالى مع عِظم مقامات ساداتنا الأنبياء خيار خلق الله، قال: وإن سيدنا الخليل إبراهيم خاف الخزي يوم القيامة، وقال في دعائه: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:87-89]. لكن الحبيب الأعظم الله قال له: (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ)، ما عاد قال: (وَلَا تُخْزِنِي)، من دونه قال: ما لكَ خزي والذين معك،-(وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ)- قال أنت والذين معك ما لكم خزي في ذاك اليوم، الله اكبر! لن نخزيك، (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ) [التحريم:8].

الله، لا إله إلا الله. 

وفي عالم الدنيا قال لسيدنا الكليم: (لَن تَرَانِي) [الاعراف:143]، وقال عمَّا شهده حبيبه محمد: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ) [النجم:11].

فلو قابلتَ لفظة لن تراني *** بما كذب الفؤاد فهمتَ معنىً 

 صلى الله عليه وعليهم أجمعين.

قال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) [الشرح:1-4]؛ لا أحد جنب اسم الله في أعلى قوائم العرش إلا اسم محمد ﷺ؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله.. جنب اسم الله اسم محمد! اللهم صلِّ عليه.

 مرفوع الذكر-عليه الصلاة والسلام- وفي الملأ الأعلى، وفي الدنيا وفي البرزخ ويوم القيامة؛ يظهر رفع ذكرِه، وفي دار الكرامة ﷺ .

 وأعلى أعلى أعلى درجات الجنان: الوسيلة، لا يسكن فيها إلا عبد واحد من جملة العباد كلهم، وما هو إلا محمد ﷺ، قال: "سلوا اللهَ لي الوسيلةَ فإنها درجةٌ في الجنةِ لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد اللهِ وأرجو أن أكونَ أنا ذلك العبدُ" ﷺ . وآتاه الوسيلة والفضيلة والشرف والدرجة العالية الرفيعة، وبَعَثَهُ المقام المحمود الذي وعدَه، وحشرنا في زمرته آمين.

قال: "وهنا تُرفع الستور، وتُتجلى البدور الكامنة تحت الخدور؛ فكل صاحب حقيقة غاب فيه به عن كل مشهود في الكونين.. إلا هو قد لاح ظاهر سناها فيه منه له، لكنه بعد لم يشهد خباياه"، ولهذا قال: هناك: "قسم ثالث؛ وهم أهل الكمال الحاصلون على أعزِّ منال". هؤلاء النبيون والمرسلون وخواص ورثتهم من الصديقين، جمعوا الأمرين كيف؟ 

قال: "الذي جمع الأمرين، وأحكم المقامين، ونظر بالعينين".

"هذا مقام أهل الكمال الواصلين إلى ذروة الوصال، والحاكمين على الأحوال، ولم يشطحوا في المقال".

"عَبْدٌ شَرِبَ فَازْدَادَ صَحْوًا، وَغَابَ فَازْدَادَ حُضُورًا؛ فَلَا جَمْعُهُ يَحْجُبُهُ عَنْ فَرْقِهِ، وَلَا فَرْقُهُ يَحْجُبُهُ عَنْ جَمْعِهِ، وَلَا فَنَاؤُهُ يَصْرِفُهُ عَنْ بَقَائِهِ، وَلَا بَقَاؤُهُ يَصْرِفُهُ عَنْ فَنَائِهِ، يُعْطِي كُلَّ ذِي قِسْطِ قِسْطَهُ، وَيُؤْتِي كُلَّ ذِي حَق حَقَّهُ."

 الله أكبر!

قال: "ولم يشطحوا في المقال، ولم يُقصِّروا في الأفعال، ولكن يعطون كل ذي قسط" من الأحكام الشرعية "قسطه -أي: حكمه- لا ينقصهم ما يتوالى على أسرارهم من سُكر الشهود، ولا يوثقهم عن الوفاء بحق المعبود، ما يعتورهم من مخالفات الأحكام والحدود"، بل مستقيمين على المنهاج بخير استقامة بلا اعوجاج؛ "فلهم وجه في الشهود، ووجه في الوجود، وهذا مقام الصديقية".

 وهكذا يقول الإمام الحداد:

وَلِي أَمَلٌ وَرَا هَذَا بَعِيدٌ *** وَذَاكَ بِأَنْ أَصِيرَ إِلَى الحَبِيبِ 

إلهه جلَّ جلاله.

وَأَشْهَدَهُ مُشَاهَدَةً وَأَفْنَى *** عَنِ الكَوْنِ البَعِيدِ مَعَ القَرِيبِ

وَأَنْ أَبْقَى بِهِ بَعْدَ التَّفَانِي *** فَيَا بُشْرَايَ مَا أَوْفَى نَصِيبِي 

وقد ظهرت عليه آثار الفناء وآثار البقاء، ونفع الله به أهل المشارق والمغارب -عليه رضوان الله- مع أنه عُمي وعمره أربع سنوات، ولكن كما قال ربنا: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46]، وكان قلبه مُبصرًا فنفع وأرشد وعلَّم وهذَّب، ودعا الى الله بحاله ومقاله ولسانه وقلمه وقدمه -عليه رضوان الله تبارك وتعالى-، ولم يزل الحق ينفع بكلامه وآثاره وقصائده وأخباره وكتبه في الشرق وفي الغرب إلى يومنا هذا، فسبحان المعطي.

وَأَنْ أَبْقَى بِهِ بَعْدَ التَّفَانِي *** فَيَا بُشْرَايَ مَا أَوْفَى نَصِيبِي 

قال:

"أهل الكمال لهم في القرب أحوال *** عواليٌ في مقامِ عَزَّ مرماهُ 

بعيد رفيع..

يوفون كل مقامٍ ما يكون له *** وهم في القُرب في غايات علياهُ"

عليهم رضوان الله تبارك وتعالى، وشرح في ذلك كلام سيدنا أبي بكر الصديق، وهو من أهل الصديقية الكبرى من خواص أصحاب نبينا محمد ﷺ .

 

وقال رضي الله عنه:

"وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ الْإِفْكِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ : يَا عَائِشَةُ: اشْكُرِي رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ؛ لا أَشْكُرُ إِلَّا اللَّهَ، دَلَّهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى الْمَقَامِ الْأَكْمَلِ؛ مَقَامِ الْبَقَاءِ الْمُقْتَضي لِإِثْبَاتِ الْآثَارِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان:14]، وَقَالَ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: "لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ"، فَكَانَتْ هِيَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُصْطَلِمَةً عَنْ شَاهِدِهَا، غَائِبَةً عَنِ الْآثَارِ، فَلَمْ تَشْهَدْ إِلَّا الْوَاحِدَ الْقَهَّارُ.

هذا شرح منه لما أسلفه من كلام المقامَيْن، وقد أوضح فيه بغاية البيان حتى كاد أن يكون الأمر على العيان، لشدة وقعه في الأذهان، وولُوجهِ في الآذان، وتمكُّن عبارته في الجَنَان، فاستشهد في ذلك بحالة الصديق؛ لأنه البارز فيه شهادة القرآن، إذ قال فيه سبحانه: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) محمد ﷺ (وَصَدَّقَ بِهِ): قيل أبو بكر [الزمر:33].

فلما نزلت براءة عائشة التي هي من أجلِّ المنن، وأعظم النعم على سائر الخلق؛ فلما توجَّه إليها الخطاب على لسان الأمين.. طالبها أبوها بوفاء تلك والقيام بها، فقال: "اشكري رسول الله ﷺ " يريد بالقول والفعال، ولم يأمرها بشكرها؛ لعلمه بما هي عليه من كمال الاستعداد، فلم يكن أبو بكر أراد أنها تشكر رسول الله دون الله، ولكن لما رأى ما فاض من مقتضيات الشكر لله.. أراد أن توفي مقام الشرع حقه؛ وهو شكر الخلق.

فقالت مترجمةً عن حالها بمقالها: "والله - لأنه المشهود لديها -لا أشكر إلا الله"؛ لأن مظاهر الألوهية لم تترك فيها مساغًا لرؤية الثان.

والاصطلام في اصطلاح الطائفة: هو الحيرة والدهش، وهذه الحالة منها غير غالبة، وإنما غالب أحوالها التمكين والصحو، لكن لما وافقها في حالة الاصطلام عن شهود الأعلام.. أفصحت بهذا الكلام، 

ولي في ذلك:

قد كان في ذلك الصديق أعلمها *** بما هو الشكر فاجتازت عن الغِيَرِ

فالاصطلام له حال يكون به *** غائبٌ عن الكون لا يشهَدْ له أثر

وعائشة هي زوجة النبي ﷺ أم المؤمنين، وهي من أحب أزواجه ﷺ إليه -وقيل: خديجة- فتجب براءتها من الإفك؛ فمن رماها بالإفك بعد نزول القرآن في شأن براءتها.. فهو كافر، كمنكر صحبة أبيها -رضي الله عنه-؛ لثبوت ذلك كله بالكتاب والسنة والإجماع، ولا اعتداد بخروج طوائف الرافضة -قبَّح الله رأيهم وأخلى الأرض منهم- فذلك معلومٌ من الدين ضرورة، فالحمد لله.

وقد وردت في فضل أبي بكر وابنته عائشة من الأحاديث ما لا يكاد يمكن حصره للأحاد، من كثرة الأعداد، وَيَلِي أبا بكر في الفضل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ويليه عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ويليه علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه ورضي عن الجميع-، ثم بقية العشرة سواء في الفضل، ثم بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الحديبية، ثم بقية الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين".

 

هكذا يقول -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- أن السيدة عائشة لما أنزل الله براءتها في الكتاب العزيز، وقد ابتُلي ﷺ بالمنافقين والمؤذين، ومن الغافلين من المؤمنين، لأنه حتى لما جاء حديث الإفك وروَّج له المنافقون، روجوا له بصورة اوتوماتيكية، بصورة بعدوا عن أن يؤخذ عليهم التصريح بشيء، حتى عند نزول البراءة ما أُقيم عليهم الحد. 

جاء غُفَّل -ثلاثة من المؤمنين- ماعندهم نفاق، لكنهم كذلك غُفَّل من المؤمنين يستفزهم بعض القول ويقعون في شرِّه والعياذ بالله تعالى: 

  • مِسطح بن أثاثة ومع قرابته لسيدنا أبي بكر الصديق. 
  • وحمنة بنت جحش أخت السيدة زينب أم المؤمنين. 
  • وحسان بن ثابت. 

هؤلاء صرَّحوا بالكلام الذي يروج له المنافقون من تحت -والعياذ بالله تعالى- وآذوا النبي ﷺ في عرضه، وصبر ﷺ خمسين ليلة حتى يأتي الوحي الصريح، ويذكروا عنه أنه قال: "ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عليه إلّا خَيْرًا، وما يَدْخُلُ على أهْلِي إلّا مَعِي".

وكان ما كان في خمسين ليلة حتى نزلت عشر آيات من القرآن الكريم في براءة وطهر السيدة عائشة عليها رضوان الله تبارك وتعالى، فكانت مصطلمة في حالة تأثُرُها بما يقول من حواليها، فلما نزلت الآيات وقرأها ﷺ عليهم، وتهلل وجه سيدنا أبي بكر وأهله، قال لعائشة: "يَا عَائِشَةُ: اشْكُرِي رَسُولَ اللهِ ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ؛ لا أَشْكُرُ إِلَّا اللَّهَ".

قال: فهذه في حالة اصطلام، وسيدنا أبو بكر في مقام أرفع هو حالة البقاء؛ "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". لكن هي معذورة في هذا الحال، وإن كانت ليست الحال هذه الغالبة عليها، ولكن غلبتها في تلك الساعة فصارت مصطلمة؛ فلهذا ماعاد رأت إلا الله -تبارك وتعالى- ولا وجهت شكرها إلا إليه، ولا شك أنه ما جاءها الخبر ولا نزل الوحي إلا على قلب محمد وبسببه، ولا نالت هي أمومة المؤمنين إلا به ﷺ وببركته وبسببه، فهو السبب الأقوى في نيل ما أنعم الله به عليها ﷺ.

وهكذا جاءت البراءة، فمن لم يعتقد براءتها فقد ناقض القرآن ووقع في الكفر -والعياذ بالله تبارك وتعالى- وكذلك من أنكر صحبة أبيها، وقد نص الله عليه في القرآن لقوله: (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) -وهو سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه- (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) [التوبة:40]. 

  • فمن أنكر صحبة أحد من الصحابة فَسَقَ. 
  • إلا أبا بكر من أنكر صحبته كفر، لأنه نص القرآن، فيكون مخالفًا للقرآن. 

فرضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين ورزقنا محبتهم ومتابعتهم؛ قال ربنا عنهم: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [التوبة:100]، تريد تسمع خبر عن الصحابة من فلان فلان فلان فلان؟ انظر لربك ماذا يقول عنهم! إذا ما يقنعك كلام الله، بئس العبد أنت وبئس المؤمن! الله يقول لك بتتخبَّر عن الصحابة اسمع: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100]؛ مازلتَ تريد أحد ثاني يخبرك عن الصحابة كيف هم ومن هم وما حالتهم؟ رب العرش يكلمك يقول لك هؤلاء أصحاب حبيبي كذا وضعهم كذا وأنا عنهم راضي، بعدين ايش عادك تبغى! 

 نصدِّق من؟ نبحث لنا عن مؤرخ أو مُبَرِّخ ولا نصرخ؟ نبحث لنا عن من؟!

 الله تحدث عنهم، ويتحدث عن الذين عاشوا معه يقول: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) [الفتح:29]، أيش عاده أوثق من القرآن في إثبات الأخبار؟ -عليهم رضوان الله تبارك- (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)- عادك تريد خبر مِن مَن؟ ذا الرب قال: أنا عالم بما في قلوبهم، أنت تقول لي مدري من ذا جاب لك خبر من هنا ومن هنا! هو أعلم من ربي ولا أيش؟ أيش في عقلك أنت؟- (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح:18] رضي الله عنهم وأرضاهم.

ولهذا جاء ترتيب فضل الصحابة عند أهل السنة: 

  • ذكر الخلفاء الراشدين -عليهم رضوان الله- الأربعة الأوائل. 
  • وذكر بعد ذلك أهل بدر، ويكون في منزلة أهل بدر أيضًا أو قبلهم.. أهل بيعة العقبة، كما تدل الأحاديث، -لكن أغفلوها في ذكرهم- وقد تنبه لها بعض الصحابة وقال: وإن كانت بدر أشهر بين الناس، لكن بيعة العقبة ترتب عليها الأمر، لأنها بداية النصرة لرسول الله   والتأييد له.

فأهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل أحد وأهل بيعة الرضوان -بيعة الحديبية-، التي قال الله فيها: (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) [الفتح:18]، حتى أنه كان من بينهم منافق ذهب يتخبأ بعيد ولا بايع النبي تحت الشجرة أبدًا، ولكن الذين بايعوا هؤلاء هم الذين عظَّم الله قدرهم (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح:18]، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى.

  • فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم أفضل.

 والقرآن أيضًا يذكر لنا ترتيبهم في الفضل بقوله: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ) [الحديد:10]، عليهم رضوان الله تبارك وتعالى. 

وبذلك جاء المنهج القويم والمسلك الصحيح لأهل السنة والجماعة، لا يبغضون أحدًا من المؤمنين عامة ومن خاصتهم خاصة، وخاصة المؤمنين الصحابة وأهل البيت الطاهر، ولا يدَّعون محبة هذا ببغض هذا ولا محبة هذا ببغض هذا، ولكنهم يحبونهم أجمعين، كحال المؤمنين مع الأنبياء والرسل.

  • اليهود يكذبون ببعض الرسل ويؤمنون ببعضهم.. فكفروا. 
  • والنصارى يؤمنون ببعض الرسل ويكذبون ببعضهم.. فكفروا. 
  • والمؤمنون يؤمنون بجميع الرسل: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) [البقرة:285].

وكذلك أهل المسلك القويم في الأمة لا يفرِّقون بين الصحابة وأهل البيت الطاهر-عليهم الرضوان- ولا بين أولياء الأمة وصلحائها، ويحبون الجميع ويعلمون أن حساب الجميع على الله ليس على أحد منهم، ولكن من أظهر الله ورسوله فضائلهم ففضائلهم في محل الاعتبار والمكانة عند المؤمنين.

 جعلنا الله من الأتقياء الأنقياء الصادقين المخلصين، اللهم آمين، وأصلح شؤون المسلمين في المشارق والمغارب، ورزقنا الاستقامة واتحفنا بأنواع الكرامة. 

ارزقنا صدق الاعتماد عليك وكمال الإقبال عليك والتوجه إليك، وانظمنا في سلك أهل العناية والرعاية والتوفيق، وألحقنا بخير فريق، واسقنا من أحلى رحيق.

 ثبتنا على ما تحب واجعلنا فيمن تحب، ورقِّنا أعلى مراقي محبوبيك والمقربين إليك، يا كريم يا معافي يا شافي يا موفِّق. سدِّدْنا أكمل التسديد، وثبتنا على المنهج الرشيد، وارزقنا كمال الاستقامة على منهج حبيبك محمد خير الأنام في شؤوننا الخاصة والعامة، واجعلنا اللهم رحمة للعباد والبلاد والأمة، واكشف الغمة. 

واعلِ درجات المنتقل إلى رحمتك سالم بن سعيد بن رجب عطيف البيضاوي، اجعل قبره روضة من رياض الجنة، واجعل له من العذاب وقاية وجنة، وتقبل جميع حسناته، وتجاوز عن جميع سيئاته، وبدل كل سيئة إلى حسنات تامات موصلات، واجمعنا به في أعلى الجنات وبارك في أولاده وأحفاده وأسباطه وذريته، واسلك بهم مسار الصالحين والعباد المفلحين، وادفع البلاء عنا وارحم موتانا وأحيانا برحمتك الواسعة، وارفعنا مراتب قربك الرافعة، واختم لكل منا بأكمل الحسنى وأنت راضٍ عنه في عافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

20 صفَر 1448

تاريخ النشر الميلادي

02 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام