المكاتبات والمناجاة الإلهية - 9 | إن قرة العين بالشهود، على قدر المعرفة بالمشهود

 

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على المكاتبات والمناجاة الإلهية، لابن عطاء الله الاسكندري، شرح الشيخ علي بن عبد الله باراس رحمه الله، ضمن فعاليات الدورة التعليمية الثانية والثلاثين بدار المصطفى بتريم.

عصر يوم الثلاثاء 21 صفر 1448هـ

إنَّ قُرَّةَ العينِ بِالشُّهُودِ، على قَدْرِ المعرفةِ بِالمَشْهُودِ فالرَّسولُ صلواتُ اللهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ ليس مَعرفةُ أحَدٍ كمعرفتِهِ فليس قُرَّةُ عينٍ كقُرَّتِهِ وإنَّما قلنا: إنَّ قُرَةَ عينِهِ في صَلاتِهِ؛ لِشهودِهِ جلالَ مشهُودِهِ، لأنَّه قد أشار إلى ذلك بقولِه: "فِي الصَّلَاةِ" ولم يقل: بالصَّلاة؛ إذ هو صَلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه لَا تَقَرُ عينُهُ بغيرِ ربِّهِ، فكيفَ وهو يَدُلُّ على هذا المَقَامِ ويأمُرُ بِهِ مَن سِواهُ صَلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليه: "اعْبُدِ اللهَ كأنَّكَ تراه"، ومُحَالٌ أنْ تراهُ وتَشهَدَ معَهُ سِوَاهُ!! قال لهُ القائلُ: قد تكونُ قُرَّةُ العينِ بالصَّلاةِ؛ لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِن اللهِ تعالى، وبارزةٌ مِن مِنَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فكيفَ لا يَفْرَحُ بِهَا ؟! وكيفَ لا تكونُ قُرَةَ العينِ وقد قال سُبْحَانَهُ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَالِكَ فَلْيَفْرَحُوا) فاعلم: أَنَّ الآيةَ قد أومَأتْ إلى الجواب، لمَنْ تَدَبَّرَ سِرَّ الخِطَاب؛ إِذْ قَالَ: (فَبِذَالِكَ فَلْيَفْرَحُواْ)، وَما قال: فَبِذَالِكَ فَافْرَخْ، يا مُحَمَّدُ؛ قلْ لهم: لِيَفْرَحُوا بالإحسانِ والتَّفَضُّل، وليَكُنْ فَرَحُكَ أنتَ بالمُتَفَضِّل كما قال في الآيةِ الأُخرى: (قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ).

نص الدرس مكتوب:

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰن الرَّحِيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبسندكم المتصل إلى سيدنا الإمام علي بن عبد الله باراس في شرح الحكم العطائية إلى أن قال:

  [جواب المؤلف عن سؤال ورَدَ إليه]

وَهَذَا سُؤالٌ، سَأَلَ الشَّيْخَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَعْضُ الرِّجَالِ الْمُتَعَرِضِينَ لِنَفَحَاتِ الْوِصَالِ، فَسُئِلَ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ : "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيْنِي فِي الصَّلَاةِ" هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ كَسَائِرِ مَا اخْتُصُّ بِهِ مِنَ الْمَزَايَا وَالْفَضَائِلِ، أَمْ لِغَيْرِهِ مِنْ تَابِعِينَ هَدْيَهُ نَصِيبٌ مِنْهُ؛ كَمَا لَهُمْ فِي أُمُورٍ مِنْ فَضَائِلِهِ؟

فَأَجَابَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ، مِنْ رَائِقِ الْجَوَابِ، وَفَصِيحِ الْخِطَابِ:

إِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ بِالشُّهُودِ، عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَشْهُودِ فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَيْسَ مَعْرِفَةُ أَحَدٍ كَمَعْرِفَتِهِ فَلَيْسَ قُرَّةُ عَيْنٍ كَقُرْتِهِ

وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي صَلَاتِهِ، لِشُهُودِهِ جَلَالَ مَشْهُودِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فِي الصَّلَاةِ" وَلَمْ يَقُلْ: بِالصَّلَاةِ؛ إِذْ هُوَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَا تَقَرُّ عَيْنُهُ بِغَيْرِ رَبِّهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ وَيَأْمُرُ بِهِ مَنْ سِوَاهُ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ:

"اْعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ"، وَمُحَالٌ أَنْ تَرَاهُ وَتَشْهَدَ مَعَهُ سِوَاهُ!! 

قَالَ لَهُ الْقَائِلُ: قَدْ تَكُونُ قُرَّةُ الْعَيْنِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَارِزَةٌ مِنْ مِنَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ لَا يَفْرَحُ بِهَا؟! وَكَيْفَ لَا تَكُونُ قُرَّةَ الْعَيْنِ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ:

(قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس:58] ؟!

فَاعْلَمْ: أَنَّ الْآيَةَ قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى الْجَوَابِ، لِمَنْ تَدَبَّرَ سِرَّ الْخِطَابِ؛ إِذْ قَالَ: (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، وَمَا قَالَ: فَبِذَلِكَ فَاْفْرَحْ يَا مُحَمَّدُ؛ قُلْ لَهُمْ: لِيَفْرَحُوا بِالْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ، وَلْيَكُنْ فَرَحُكَ أَنْتَ بِالْمُتَفَضِّلِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:(قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[الأنعام:91]".

 

الحمد لله الذي بسط بساط الإفضال الواسع الذي لا حد له ولا غاية، وجعل جليله وكبيره وشرفه وأصله وعظيمه عند حبيبه محمد ﷺ، فإليه في الفضائل الخلقية والمِنَنِ الإلهية ترجع النهاية.

اللهم أدم صلواتك على قرة العين، سيد الكونين حبيبك محمد، الذي جعلتنا به خير أمة، وعلى آله وصحبه الأئمة، ومن سار على دربهم صادقًا مخلصًا في كل مهمة، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أئمة الأئمة، الراقين في الفضل والشرف إلى القمة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين أهل العزائم والهمة، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين يا ولي النعمة.

وبعد، 

فيذكر جواب الشيخ -عليه رحمة الله- وقد "سُئِلَ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيْنِي فِي الصَّلَاةِ" هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ -ﷺ- كَسَائِرِ مَا اخْتُصُّ بِهِ"، وخصائصه كثيرة، وألّف فيها المؤلفون، ومن أجمعها الخصائص الكبرى للإمام السيوطي -عليه رحمة الله- الذي ذكر فيه ما اختص به ﷺ. 

وهذا فيما اطلعوا عليه، وقد اختصه ربه بخصائص ما اطلعوا لا هم ولا الملائكة عليها، خصَّه بخصائص كثيرة وكبيرة صلوات الله وسلامه عليه، وإذا كان الله يقول: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [البقرة:105]، فاختصاص وراء اختصاص وراء اختصاص، فتجتمع حقائقه في المختص الأكبر من قِبل الإله الأكبر بالخصوصيات الكبرى سرًّا وجهرًا، دنيا وأخرى، فصلى الله على سيدنا محمد.

يقول: "هَلْ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ كَسَائِرِ مَا اخْتُصُّ بِهِ مِنَ الْمَزَايَا وَالْفَضَائِلِ، أَمْ لِغَيْرِهِ مِنْ تَابِعِينَ هَدْيَهُ نَصِيبٌ مِنْهُ"، من هذه القرة؛ قرة العين في الصلاة.

"فَأَجَابَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَا هُوَ الصَّوَابُ، مِنْ رَائِقِ الْجَوَابِ، وَفَصِيحِ الْخِطَابِ:

إِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ بِالشُّهُودِ، عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَشْهُودِ"

يقول: إن الصلاة موطن شهود للإله الملك المعبود، وإنما تقر العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود الإله المعبود -جل جلاله-: 

  • فتخلِّينا عن عبادة سواه أول خطوة نخطوا بها إلى القرب منه تعالى في علاه. 
  • ثم يعقبها تخلِّينا عن قصد غيره وعن قصد سواه، فكما لا نعبد إلا إياه، لا نقصد إلا إياه، فتتساقط القصود الجزئيات في كل الأحوال والأقوال والأفعال لغير الحق تبارك وتعالى، ويطيب الحال مع الله بأن لا يكون لهذا العبد مقصود بقلبه ولا بأي شيء من أقواله وأعماله وأفعاله إلا الله.. إلا الله.
  • فيرقى بسلم "لا إله إلا الله" من التحقق بأن لا معبود إلا الله، إلى التحقق معه بأن لا مقصود إلا الله، وإذا انتهت قصوده للغير، فلم يصبح قاصدًا إنسانًا ولا مَلكًا ولا جنيًّا ولا الدنيا ولا غيرها من الكائنات، وصح قصده لله وحده، أيقن عند ذلك أن جميع ما سوى الله في قبضة الله وتحت يديه، فلا وجود له من ذاته، وإنما وجوده عارض بإيجاد الله، يصرفه كما يشاء ويقلبه كما يشاء، وإذا أراد أن يفني منه ما شاء أفناه، إذًا فالموجود االحق هو الله وحده.
  • فيرتقي بحقيقة لا معبود إلا الله من لا إله إلا الله في لا إله إلا الله من حقيقة لا معبود إلا الله ولا مقصود إلا الله، إلى حقيقة لا موجود إلا الله؛ أي الوجود الحق الذاتي، لا شيء غيره موجود بذاته، لا عرش ولا كرسي ولا سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار ولا دنيا ولا آخرة، لا شيء موجود بذاته أصلًا، كلها عدم كانت، هو أوجدها جل جلاله، فالوجود الحق له.

فإذًا يرتقي في "لا إله إلا الله" بلا إله إلا الله من حقائق لا معبود إلا الله ولا مقصود إلا الله إلى حقيقة لا موجود إلا الله، إذا سرت هذه الحقيقة في باطنه، وصار يشهد معنى قول نبينا: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ". 

  • وحينئذ ينفتح باب الشهود، فيشهد هذا المعبود المقصود الموجود -جل جلاله- بقلبه شهودًا يمتلئ به، وحينئذ: 
    • على قدر معرفته بالمشهود تقر عينه بالشهود، 
    • وأجلى ما يكون الشهود في أعمال العاملين على ظهر الأرض هي الصلاة، الصلاة محل الشهود، موطن عظيم من مواطن الشهود، فلهذا تفتتح "الله أكبر" خلاص، إذا هو أكبر عادك تبغى ايش مع الغير! خلاص انتهى كل شيء، الله أكبر، الله أكبر!.

ولذا كبر مرة بحاله واستشعاره وشهوده الإمام الحداد، فلما قال: "الله أكبر" انشق الجدار قدامه من هيبة "الله أكبر"!. لا إله إلا الله، الله أكبر! 

وهكذا قالوا بعض الذي أُسروا أيام كان مظهر للجهاد في أفغانستان، ما كان من تلك الأيام الذي يسمى الاتحاد السوفيتي، من المسؤولين عليه القائمين على الإلحاد والتكذيب بالله، وجاءوا لاحتلال وأخذ أفغانستان، وقام في سنوات عمل المجاهدين، يقول بعض الأسرى لما استقبلوهم بعدين، قالوا: ترددون بعض كلماتكم، نحن بخبرتنا ما عاد ندري كيف نعمل بالأجهزة التي معنا ونتوقف، وتمتلئ قلوبنا رعب؛ خصوصًا -يكلمهم بلغتهم يقول- خصوصًا واحدة كلمة عندما تجيبونها تقولوا: بَرّ، بَرّ -يعني الله أكبر-، ولما يسمعونها ترجف قلوبهم، لما يسمعونها من المجاهدين: "الله أكبر". 

وكم من دبابة حديثة الصنع من أقوى دبابات العالم في تلك الأيام غنمها المجاهدون، استهدفوها بحجارة، حجارة! يرمون بالحجارة، ليس عندهم إلا الحجارة وهم غنموا الدبابة، وبعض الدبابات انفجرت بالرمي بالحجارة، رُميت بالحجارة فانفجرت! يقول الله أكبر فانفجرت الدبابة الروسية حديثة الصنع القوية؛ سبحان الله!.. وكان ما كان في تلك الأيام حتى انحرف أهل الإسلام في مقاصدهم ونياتهم وذهبت حقائق الجهاد. 

لا إله إلا الله! الله يحفظ علينا وعلى المؤمنين حقائق الجهاد الخالص في سبيله لوجهه الكريم.

 وكان صبغت الله مجددي -عليه رحمة الله تعالى- لما لقيناه في الدنمارك، قال: خرب علينا الجهاد فئتين من الناس دخلوا معنا:

  •  فئة غرضهم السلطة والحكم وهو مهمتهم، لا "لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا" يريدون يحكمون.
  • وفرقة قاعدين يسبّون، يكفرون، يبدِّعون.

 دخلوا عندنا وبطل الجهاد، وفسد الجهاد. 

وكثير من الكرامات التي كانت تظهر ربما روحت، وحصل ما حصل وتفرقوا وصاروا فرق وما إلى ذلك، والله يحفظ على المسلمين سر جهادهم، وهو قائم فيمن يشاء الله إلى أن تقوم الساعة، قال ﷺ: الجهاد فريضةٌ ماضية، "لا يبطلهُ جَوْرُ جائرٍ ولا عَدْلُ عادلٍ"، يجور من يجور ويعدل من يعدل، الجهاد قائم للمخلصين الصادقين بمعانيه كلها الواسعة، ومنها:

  • طلب العلم بإخلاص للعمل وتبليغه، هذا باب من الجهاد، ويدخل في فضل الجهاد، حتى سمعتَ الذي يسعى على أهله وأولاده مخلص ويتحرى الحلال يدخل في المجاهدين. 

فالجهاد أنواع.

وكان يقول سيدنا أبو الدرداء: "من رأى أن الغدو إلى طلب العلم ليس بجهاد فقد نقص في رأيه وعقله"؛ قال: هذا ما عرف الدين. 

  • فمن يطلب العلم بإخلاص يريد العمل ونصرة هذا الشرع بتبليغه للناس هذا مجاهد، وقال ﷺ كما رواه الترمذي: "مَنْ خَرَجَ في طلبِ العلمِ، فهوَ في سبيلِ اللهِ حتى يرجعَ".

لو تحقق الواحد بهذا الكلام النبوي ما عاد يود أنها أربعين، يود أنها تكثر وتكون سنين خروجه في طلب العمل، "مَنْ خَرَجَ في طلبِ العلمِ، فهوَ في سبيلِ اللهِ حتى يرجعَ"، وإذا كان في سبيل الله قالوا حتى أعماله تضاعف كعمل المجاهد في سبيل الله؛ يعني الركعة بسبعمائة، والتسبيحة بسبعمائة، والآية بسبعمائة، والصدقة بسبعمائة، والسلام بسبعمائة، كل الأعمال الصالحة تتضاعف إلى سبعمائة، (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) [البقرة:261]، هذا سبعمائة لكل مجاهد ولكل مخلص ولكن عاد باقي، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)، هذا ماله حد محدود ولا عدد معدود، ولكن (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) كما يشاء، (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ).

قال: "إِنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ بِالشُّهُودِ، عَلَى قَدْرِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَشْهُودِ"، فيجب نحن يا أيها الموقنون والمؤمنون والمصدّقون بـ "لا إله إلا الله" أن نرقى في مراقيها، وننفي عبادة كل معبود سوى الله، ونوقن ألا معبود بحق في الوجود إلا الله، ونرتقي بذلك إلى معنى لا مقصود إلا الله، فما اشتغلت عليه نفوسنا في ظلماتها وألقاه إلينا شياطين الإنس والجن من قصد المظاهر وقصد الدنيا وقصد المفاخر التافهة الساقطة وقصد الشهوات نقول: لا لا لا لا، ما يليق بعبد خُلِق من قِبل عظيم إله كبير كريم، وَالَى عليه نعمه وبيَّن له الطريق، يعبد غيره ولا يقصد غيره، ويقصد سواه! لا لا لا، عيب عيب عيب عار! هو خالقي ومولاي وأقصد غيره؟! وهو المنعم عليَّ، هوالمكوِّن لي ومرجعي إليه وفضله عليّ وأقصد غيره؟! عيب، عار!.

ونرتقي بهذا إلى معنى لا موجود إلا الله، فعسى ينفتح لنا باب الشهود، وهذا النعيم المعجّل للصادقين المؤمنين في الدنيا قبل الآخرة، هذا نعيم يُعجل لهم في الدنيا قبل الآخرة، فيذوقون فيه من اللذات ما لا يذوقه الملوك ولا المشهورون في الأرض ولا المغنُّون ولا المخدَّرون ولا الآكلون ولا الشاربون، يذوقون فيه ذواق بديع عجيب ولذة وهم في الدنيا -هذا قبل الآخرة- من لذة الشهود للملك المعبود.

قال: "فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ لَيْسَ مَعْرِفَةُ أَحَدٍ كَمَعْرِفَتِهِ"، يعني: غيره أيضًا يحصِّل من مراتب الشهود ما تقر به عينه في الصلاة وفي الذكر، لكن هو أعرف، فشهوده أقوى ولذته وقرة عينه أكبر من لذتنا -ﷺ- "وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيْنِي فِي الصَّلَاةِ". 

قال: " فَلَيْسَ قُرَّةُ عَيْنٍ كَقُرْتِهِ"، هو أعلى.

"وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي صَلَاتِهِ، لِشُهُودِهِ جَلَالَ مَشْهُودِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فِي الصَّلَاةِ" وَلَمْ يَقُلْ: بِالصَّلَاةِ".

ما قال: جُعِلَت قرة عيني بالصلاة، لا؛ في الصلاة، وسطها وشهودها؛ اللهم صلِّ عليه!.

يا أيها النبي والكوكب الدري *** أنت إمام الحضرة سُلطانها الغيبي 

فحضرة الشهود هو السلطان فيها، من ورائه من النبيين والمرسلين مثل الأمراء والوزراء، وبعدهم أرباب الشهود من أهل المراتب.

الله لا يحرمنا هذا الشهود، ولا يجعل لنا سواه مقصود، كما أكرمنا أن لم يجعل لنا سواه معبود، نسأله أن لا يجعل لنا سواه مقصود، ويذيقنا أن لا سواه موجود، بل الوجود الذاتي له وحده، حتى يكرمنا بالشهود إن شاء الله.

ومن خرج منكم من الدورة وعنده طَرَف الشهود فقد جاد عليه الجواد بأوسع الجود، وهيَّأه لما يعظم شأنه في الدنيا والبرزخ واليوم الموعود بل في جنات الخلود. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا، فاطلبوا ذلك من البَر الرحيم الودود، عسى أن لا نخرج من هذه الدورة وتنقضي أيامها إلا وقد رفع إلى حظيرة الشهود كثيرًا منا، يا أرحم الراحمين يا بَر يا ودود أكرمنا بنور الشهود.

قال: " إِذْ هُوَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لَا تَقَرُّ عَيْنُهُ بِغَيْرِ رَبِّهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ وَيَأْمُرُ بِهِ مَنْ سِوَاهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: "اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ويقول في الحديث الآخر: "اعبد الله عَلَى الرِّضَا فَإِن لم تستطع فَفِي الصَّبْر عَلَى مَا تكره خير كثير"، لمَّا تصل إلى دائرة الرضا بعدين. الله الله! العاملون على الرضا سَيفُهُم أحدُّ وأمضى.

قال: "قَالَ لَهُ الْقَائِلُ: قَدْ تَكُونُ قُرَّةُ الْعَيْنِ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَبَارِزَةٌ مِنْ مِنَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَيْفَ لَا يَفْرَحُ بِهَا؟! وَكَيْفَ لَا تَكُونُ قُرَّةَ الْعَيْنِ وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58] ؟!

فَاعْلَمْ: أَنَّ الْآيَةَ قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى الْجَوَابِ"، قال: جوابك في الآية هذه لعموم المؤمنين، أما المقربون، أما النبيون، أما سيد النبيين.. فرحهم بالله نفسه، المتفضل، لا بالفضل ولا بالنعم ولا بالإحسان، بالمُنعم، بالمُنعم نفسه، الله أكبر!.

قال: "فَاعْلَمْ: أَنَّ الْآيَةَ قَدْ أَوْمَأَتْ إِلَى الْجَوَابِ، لِمَنْ تَدَبَّرَ سِرَّ الْخِطَابِ؛ إِذْ قَالَ: (فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)أتباعك، هؤلاء، عموم أتباعك من المؤمنين، "وَمَا قَالَ: فَبِذَلِكَ فَاْفْرَحْ يَا مُحَمَّدُ"، ما قال له أنت افرح بها، هو فرحان بربه، بربه الرحيم، بربه المنعم، بربه المتفضل جلَّ جلاله!.

" قُلْ لَهُمْ: لِيَفْرَحُوا بِالْإِحْسَانِ وَالتَّفَضُّلِ، وَلْيَكُنْ فَرَحُكَ أَنْتَ بِالْمُتَفَضِّلِ". الله أكبر!

في إرث سر من هذه الأسرار الكبيرة يقول سيدنا الإمام الحداد:

بِرَبِّي قِيَامِي لَا بِنَفْسِي وَلَا السَّوَى *** فَشَكْرِي لَهُ سُبْحَانَهُ وَثَنَائِي

وكيف وصلتَ إلى هذا؟ قال: استجبت لأسرار "لا إله إلا الله"، وقمت بحقها فارتقيت. 

كيف؟ قال: تعلقتُ بهذا الإله وحبه وقربه حتى صار لا مقصود لي إلا هو، ولا موجود في عيني إلا هو، وصار هو مشهودي؛ قال عليه الرضوان:

يُعَيِّرُنِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا وَجَدْتُهُ *** بِمَا نَالَنِي مِنْ وَحْشَةٍ وَضَنَاءِ

وإقبال كلي على هذا المقصود.

وَفِي القَلْبِ شُغْلٌ عَنْ سَمَاعَ انْتِقَادِهِ *** بِتَأْمِيل وَصْل بَعْدَ طُولِ تَنَائِي

قال: وأنا أختبر نفسي، أحيانًا، أقول لها: خذي قليل من الدنيا… تقصي غيره وتقول: أيش؟! أتبدلّني بإلهي شيء ثاني؟! الله الله…

أَقُولُ لِنَفْسِي سَاعِيًا فِي اخْتِبَارِهَا *** تَسَلَّي بِدُنْيَا عَنْهُمُ وَمُنَاءِ

فَقَالَتْ أَخُلْفٌ بَعْدَ وَعْدٍ وَعَدْتَنِي *** بِأَيْمَنِ ذَاتِ البَانِ يَوْمَ وَنَائِي 

وَقَدْ أَضْرَمَ البَيْنُ المُبَرِّحُ نَارَهُ *** فَقُلْتُ سَيُطْفَا حَرُّهُ بِلِقَائِي

وبعدين أيش حصل؟ قال: اجتمع همي كله على مولاي:

وَلَمَّا حَدًا بي حَادِيَ الشَّوْقِ قَاصِدًا *** إلَيْكُمْ بِجُنْدَي فِطْرَتِي وَهَوَائِي

جند الفطرة والهوى الذي عندي صار تبع هذه الفطرة، فأنا بفطرتي وبهوائي معًا طائر متوجه بوجهة قوية، بِجُنْدَيْ فِطْرَتِي وَهَوَائِي، قال:

دَعَتْنِي إِلَيْهَا ذَاتُ مَكْرٍ وَحِيلَةٍ: رجعت الدنيا تحاول تصرفنا هنا وهنا…

دَعَتْنِي إِلَيْهَا ذَاتُ مَكْرٍ وَحِيلَةٍ *** وَقَالَتْ أَنَا المَقْصُودُ لَيْسَ سِوَائِي

فأُفٍّ لَهَا.. أنتِ المقصود؟! يا فانية، يا زائلة، يا منقضية، يا من اشتغلتِ بمن أحبك حتى قطعتيهم عن الملك الأكبر! أنتِ المقصود أنتِ؟!

فَأُفٍّ لَهَا خَدَّاعَةٌ لَا تَغُرُّنِي *** بِرَوْنَقِهَا المَمْدُودِ فَوْقَ خَنَاءِ

تَنَحَّيْ تَنَحَّيْ.. روحي، قد قال قبله سيدنا علي: قد بتتُّكِ ثلاثًا،  ثلاث طلقات، خلاص عاد شيء فوقها؟ ما عاد شيء بعدها، لا رجعة لي فيكِ. قال: 

تَنَحَّيْ تَنَحَّيْ لَا سَلَامًا وَلَا رِضًا *** تُرِيدِينَ قَطْعِي عَنْ سَبِيل غِنَائِي 

فكيف صار حالك؟ قال: 

تَحَقَّقْتُ مَطْلُوبِي فَأَسْرَعْتُ نَحْوَهُ ……………………..

 (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) [طه:84].

تَحَقَّقْتُ مَطْلُوبِي فَأَسْرَعْتُ نَحْوَهُ *** فَدَامَ سُرُورِي وَاضْمَحَلَّ عَنَائِي

خلاص، حصَّلت المسرَّة وراح التعب وراح الهم وراح الغم، الله أكبر! قال:

كَانَتْ لِقَلْبِي أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ *** فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْكَ العَيْنُ أَهْوَائِي

 

لا إله إلا الله! كان في هموم كثيرة، فجعلت الهمَّ همًّا واحدًا، فكفاني كل همٍّ.

وَدَامَ شُهُودِي وَاسْتَمَرَّتْ مَوَاسِمِي *** وَطَابَ زَمَانِي وَاسْتَتَمَّ صَفَائِي

 يا سلام..  فكيف الحال؟ قال: بِرَبِّي قِيَامِي..

بِرَبِّي قِيَامِي لَا بِنَفْسِي وَلَا السَّوَى *** فَشَكْرِي لَهُ سُبْحَانَهُ وَثَنَائِي

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

 

قال -رضي الله عنه وعنكم-:

"هذا سؤال جامع، وجوابه مدرَجٌ فيه؛ وهو بأن يبسط عليه القول، كيف وقد جُمع فيه رأس العبادات، وكعبة القربات، وأول المفترضات، وعمدة الديانات؟! سيما صلاة أفضل البريات، التي احتوت غاية الكمالات، وأرفع الدرجات، وعدة الحسنات، التي حظي فيها بما قرَّت به العيون، من كشف السِّرِّ المصون، والكنز المخزون، تحت تجليّات الشؤون، والشهود التام، والمقام السام، الذي يتقاصر عن نيله أكابر المرسلين، وجهابذة العلماء والصدَِّيقين".

 

عليهم رضوان الله، الله أكبر!

 فإذا كان في صلاته قرة عينه بهذا الشهود، ما جعل الله على ظهر الأرض تجلي وشهود أسمى ولا أجل مما كان على حبيبه محمد ﷺ في أيامه، فقل لي كيف حال المؤمنين الذين يصلون معه؟! 
ما مؤمن والإيمان بهذه الصورة؟! 

الإيمان بهذه الرتبة، بهذا القدر والمنزلة، ويسمعونه لما يقرأ في الجهريات، يُؤَمِّنون خلفه ويركعون وراءه، وهو.. ما هناك على ظهر الأرض -من يوم خلق الله الأرض إلى أن تقوم الساعة- تجلِّي منه وتفضُّل وشهود أكبر من هذا الذي يتنزل على هذا القلب، وهم جنبه، يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده.. فما أعجب حال الصحابة، ما أعجب حال الصحابة!

 

قال -رضي الله عنه وعنكم-:

 "فكل مصلٍّ له قرة عين فيها، ولكن قرة العين تتفاوت بحسب معرفة المعبود، واضمحلال أعيان الوجود، للتجلي والشهود؛ فالرسول ﷺ ليس معرفةٌ كمعرفته، ولا نال مقرَّبٌ كقربه، ولا حظي واصلٌ بمثل وصله، فلم يكن لأحدٍ قرةُ عينٍ كقُرَّته؛ فإشارته بقوله: "فيها" دالة على أنه قرَّتْ عينه بمشاهدة الحبيب من قريب من غير حجاب؛ لأن العبد إذا قام إلى الصلاة.. تجلى الله برحمته له في قبلته، وقد أشار إلى هذا في بعض الأحاديث: "أنه أقرب إليه من مصلاه في سجوده"، وقال أيضًا: "لو يعلم المصلي من يناجي.. ما التفت"، وهو ﷺ حظي برتبة الشهود الحقي". 

 

وأصرح من هذا ما جاء في الرواية الأخرى في الحديث يقول: "إنَّ أحدَكم إذا قام يُصلِّي، فإنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِه، فلا يبصُقْ قِبَلَ وجهِه"، وصرح وقال: "إذا قامَ الرَّجُلُ في الصَّلاةِ أقبَلَ اللهُ عليه بوَجهِه، فإذا التَفَتَ قال: يا ابنَ آدَمَ، إلى مَن تَلتَفِتُ؟ إلى مَن هو خَيرٌ مِنِّي؟" إذا التفات الثانية، قال عبدي التفت إلى غيري، غيري خيرٌ له مني؟! فإذا التفت الثالثة أعرض الله عنه. فهكذا… فكيف كانت صلاته ﷺ!.

 

"وأما العلم.. فلغيره، ورتبة العلم دون رتبة الشهود، فالشهود هو العلم، وزاد برتبة الكشف بالعيان، فوصف سبحانه بالشهود حيث قال: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ) [آل عمران:18]، فهذا هو عين مشهد الرسول بعينه ﷺ، شهد هويته ظهور ألوهيته، فهو الشاهد والمشهود والشهود، (وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) [آل عمران:18] أيضًا، شهدوا بما شهد به لنفسه". 

 

اللهم صلِّ عليه. وسيذكر لكم الحاصل بعد ذلك.

 يقول: "(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) [آل عمران:18]"، استدلوا بعظيم فضل العلم بهذه الآية، قالوا: هذه شهادة الله شهدها لنفسه، وشهد له بها الملائكة وحط معهم أولي العلم، الله! فنصيبهم من الشهود عظيم! وأولو العلم ما أحد يتقدم عبده محمد ﷺ، لا الملائكة ولا من سواهم، هو سيد أهل العلم، وشهد بشهادة الله، فلا أحد له شهود كشهود محمد بن عبد الله، يا رب صلِّ عليه.

وإذا جئتم إلى داره، وحيث تلألؤ أنواره ووضوح معالم آثاره.. 

  • فسيروا بمساره، فنعم الإمام هو، ونِعم القدوة، ونعم المُدخِل إلى حضرة الله هو. 
  • احرصوا على سُنَنِه وآدابه في طعامكم وشرابكم وملبسكم ومنامكم. 
  • وباقي الأيام خلوها في متابعته كلها حتى يفتح لكم الموجود بابًا في الشهود.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك لشر ما عندنا.

نستطرق أبواب جودك الواسع، وإن ذكرنا تقصيرنا وسوء أدبنا ومعايبنا وذنوبنا، فإننا نذكر أمامها فائض إحسانك وجود وامتنانك، فتصغر ذنوبنا أمام رأفتك ورحمتك وعظمتك؛ فنسألك يا من هو الأكبر يا بَر يا بَر، أن لا تحرمنا واسع الفضل المتدفق بالجود الأغر، والفضل الذي لا يزال في توالٍ فيما بطن وفيما ظهر، وأيدي فقرنا وعجزنا وضعفنا نمدها إليك يا من يُعطي ولا يُبالي، يا من يُكرم ولا يُبالي، يا من يتفضل ولا يبالي، يا مولى الموالي، اقبلنا بسيد أهل حضرتك، وأسعدنا بنظرتك، وأكرمنا بالشهود يا بَر يا ودود، ما دمنا في هذه الحياة، ورقِّنا في مراقيها مع خواص أصفيائك، وأهل قُربك ورضائك، من ورثة أنبيائك، في لطفٍ وعافية يا أرحم الراحمين.

 

ارزقنا حسن تلبية نِداه، ويغمرنا بنَداه الهاني الطيب الواسع، نادانا به الهدى فيما خفي وفيما بدا، وتولنا به يا عالم ما خفي وما بدا، يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا من بيده ملكوت السماوات والأرض وملكوت كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، لا إله إلا أنت بحبيبك خير كل شيء وسيد كل شيء، أن تغفر لنا كل شيء وأصلح لنا كل شيء، ولا تسألنا عن شيء ولا تعذبنا على شيء، ورقِّنا إلى أعلى أعلى أعلى مراتب عبادتك وحُسن عبادتك وقصدك، وأن لا يكون لنا شريك في قصدك، فنفردك بالقصد تمام الإفراد في كل خافٍ وباد، وأن تكون يا مولانا لنا المشهود بالوجود، وأن ترفعنا إلى أعلى مراتب الشهود يا بَر يا ودود. 

اللهم أعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ولا تجعل شيئًا من صفاتنا ولا من زلاتنا ولا من تقصيراتنا حائلةً بيننا وبين نيل هذا العطاء الكبير الواسع منك يا كبير يا واسع، بوجاهة حبيبك الشافع أصلح لنا به جميع الشؤون، في الظهور والبطون، وأثبتنا فيمن يهدون بالحق وبه يعدلون. 

وفرِّج كروب أمته أجمعين، وادفع البلاء عن أمته أجمعين، واجعلنا في خيار أمته، وانفعنا بأمته عامة وبخاصتهم خاصة، وقنا الأسواء والأدواء وكل بلوى، واختم لنا بأكمل الحُسنى وأنت راضٍ عنا في خير ولطف وعافية.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

18 ربيع الأول 1448

تاريخ النشر الميلادي

31 أغسطس 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام