(628)
(443)
(368)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 411- فصل: فيما جاء في أكل الجلالة وبيان ما استفيد تحريمه من الأمر بقتله أو النهي عن قتله
صباح الأحد 24 شوال 1447هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل فيما جاء في أكل الجَلَّالَة
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحم الجلالة وعن شرب لبنها وعن ركوبها، وقال جابر -رضي الله عنه-: أفلتت بقرة على خمر فشربته فخافوا عليها فسألوا النبي له ﷺ الله فقال: "كلوها أو قال: لا بأس بأكلها"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
فصل في بيان ما استفيد تحريمه
من الأمر بقتله أو النهي عن قتله
"قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان رسول الله ﷺ يقول: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة"، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه- كنت أسمع النبي ﷺ يقول: فُقِدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأرة فإنها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت، وكان ﷺ يقول: "ما أرى هذه الفويسقة إلا من الممسوخ".
وكان ﷺ يأمر بقتل الوزغ ويسميه فويسقاً ويقول: "إنه كان ينفخ على إبراهيم" وكان ﷺ يقول: "من قتل وزغاً في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك".
وكان ﷺ يقول: "اقتلوا العنكبوت فإن شيطان مسخه عز وجل"، وكان رسول الله ﷺ ينهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع، وكان ﷺ ينهى الطبيب أن يجعل الضفدع في الدواء، وكان ﷺ ينهى أكل الرخمة وعن قتل الحيات التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء، وكانﷺ يقول: إن لبيوتكم عمّاراً فخرجوا عليهن ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك شيء فاقتلوه"، والله أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته وبيانها على لسان خير بريته؛ عبده وحبيبه وصفوته سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل قرب الله -تبارك وتعالى- وأهل حضرته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويتكلم الشيخ -عليه رحمة الله- عمّا ورد فيما يتعلّق بأكل الجلّالة والحيوانات التي أُمر بقتلها، أو نُهي عن قتلها، وما يستفاد في تحريمها من الأمر بقتلها أو النهي عن قتلها.
فيقول: "فصل فيما جاء في أكل الجلّالة، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحم الجلّالة وعن شرب لبنها وعن ركوبها".
فالجلّالة: هذه مبالغة من جالَّة، يقال: جَلَّ البعر؛ يعني: بمعنى رعاه، فهو جالٌّ، فالجالّ يُبالغ فيه يقال: جَلَّالٌ. يُقال: جلّالة، أي: كثيرة الأكل للنجاسة.
فهي: كل حيوان عُلِف بالنجاسة، كل حيوان يأكل من النجاسة ويُعرف بالنجاسة؛ فهذا هو الجلّالة التي نُهي عنها، وذلك أنه ينتُن ويَخبُث لحمها، بل حتى -كما سمعتم- نهى عن شرب لبنها، بل عن ركوبها من دون ساتر، من دون حائل؛ لما يُخاف من انتشار أثر النتن أو الإيذاء، فكل ذلك ما بين مكروه، وقيل: بتحريمه.
إذًا فالجلّالة من أي الحيوانات كانت؛ سواء كانت من دجاج أو من إبل أو من بقر أو من غنم:
إذًا:
وهكذا فينبغي إذا ظهر تغيُّر في لحم هذا الحيوان ففي وجهٍ تحرُم إذا قد ظهر التغيُّر، وفي وجهٍ لا تزال على الكراهة إذا لم يظهر أثر التغيُّر في لحمه فهي مكروهة، إذا كان غالب أكلها النّجاسات، وكذلك ما وُجد في بطنها من ولدها لو ذُكِّيَتْ، فهي جلّالة كذلك لأنه تغذيته من تغذيتها، فإذا كان كذلك مكروه أو محرّم فبقية أجزائها مثل: البيض واللبن والعرَق ونحوه نفس الشيء يكون.
فنهى الرسول ﷺ عن أكل الجلّالة وألبانها، والحديث عند أبي داود والترمذي وغيرهما.
فإذا حُبِست وأُطعمت الطيّب مُدَّةً زالت الكراهة، أي: إذا طاب لحمها زالت عنها الكراهة.
وكم تقدير ذلك؟ له مُدَّة معينة ولكن قالوا:
وعليه كان العمل عندنا إذا أرادوا أن يذبحوا شيء من الديَكة أو الدجاج المخلّاة في الشوارع قد تتعرض للأكل من القاذورات، فيحبسونها أربعين يوم يقيّدونها في البيت ويطعمونها الطعام الطيب، ثم يذبحونها بعد ذلك.
إذًا تزول بالحبس على العلف الطاهر؛ ولكن الاختلاف في مدة الحبس كيف تكون؟ فينبغي أن لا تقل عن أربعين يوماً إلى جانب ما ذكرنا من أقوالهم.
وركوب الجلّالة بلا حائل لما جاء في رواية أبي داود والبيهقي "نهى رسول الله ﷺ عن الجلّالةِ في الإبلِ أن يُركبَ عليها أو يُشربَ من ألبانِها"
وكذلك يقول الحنفية: يُكره شرب سُؤْر الجلّالة،
وكذلك لا يصح التضحية بها -كما يقول الحنفية- لا تُجزئ في الأضحية إذا كانت ما تأكل غير النجاسة، فلا تُجزئ في الأضحية -كما يقول الحنفية-.
كذلك ذات اللبن: من الإبل أو البقر أو الغنم يُكره شرب لبنها -كما هو عند الحنفية والحنابلة- وعند الشافعية كذلك هو الأصح، ومقابل الأصح أن شرب لبنها حرام، وخاصة إذا ظهر نتن ما تأكله في ريحها وعرقها، فقيل: بحُرمة شرب لبنها، وقيل: بكراهته عند الشافعية كذلك.
هذا ما يتعلق بآكلة النجاسات من الحيوانات المأكولة.
ثم يذكر أن ما جاء في النهي عن قتله، أو الأمر بقتله فهو علامة أنه حرام.
فمثل: الحية والعقرب والفأرة والغراب والحُدأة وما إلى ذلك، كل سبع ضار؛ ومنه الأسد والذئب ونحو ذلك، مما شُرع قتله فيحرم أكله.
وما نُهي عن قتله كذلك يُحرم، فمثل: النملة والنحلة والخُطّاف أو الهدهد ما لا يجوز قتله من الحيوانات؛ فيكون ذلك دليل على أنه محرم أكله.
وهكذا يقول: يحرُم، -كما يقول بعض أهل العلم-:
ويقول: "قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان رسول الله ﷺ يقول: "خمس فواسق"..
أصل الفسق: الخروج عن الأمر، حتى يقولون: عن الرُطَبة فسقت إذا خرجت عن قشرها، وهكذا ما خرج عن الأمر وعن الطريق يُقال له: فاسق، فسق.
وسمى الشارع بعض الحيوانات فواسق على سبيل الاستعارة، امتهانًا لهن ولكثرة خبثهن وأذاهن؛ مثل: الغراب والحُدأة والفأرة والحية والكلب العقور، فأمرﷺ بقتلهن ولو في الحرم.
فالأصل في معنى الفسق: الخروج عن الاستقامة والوقوع في الجوْر؛ وبه سُمى العاصي فاسق؛ والفواسق من الدواب هذا ما جاء في الحديث.
وعندنا في الصحيحين يقول ﷺ: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة" في لفظ الحُدَيّا.
قالوا في الغراب:
وأما غير العقور:
يقول المالكية والشافعية والحنابلة: أن غير العقور ليس من الفواسق، وهو ما يحرُم قتله، كانوا يسمونه كلب السوق، لا يؤذي أحد، ولا يأكل دجاج أحد، الكلب مسالم ليس من الفواسق، لكن الكلب العقور: الذي يعقر هذا من الفواسق، كما أن الرسول ﷺ لم يُطلق الكلب؟! قال: والكلب العقور، ومن قتلهن وهو محرم فلا جزاء عليه أيضًا بالاتفاق.
وقال أبو هريرة -رضي الله عنه- كنت أسمع النبي ﷺ يقول: فُقِدت أمة من بني إسرائيل لا يدري ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفأرة فإنها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب، -محرم عليهم كان ألبان الإبل- وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت".
"وكان ﷺ يقول: "ما أرى هذه الفويسقة إلا من الممسوخ". يعني: مُسخ إلى شكلها، لا أنها هي نفسها الممسوخ.
"وكان ﷺ يأمر بقتل الوزغ ويسميه فويسقاً ويقول: "إنه كان ينفخ على إبراهيم" أي: النار؛ ينفخ النار على سيدنا إبراهيم الخليل
ويقال: إن الضفدع كانت تجيء بماء في فمها ترميه في النار رجاء أن تنطفئ، وأن الوزغ يجيء ينفخ في النار، فصارت الضفدع من الحيوانات المحترمة يحرم قتلها، وهذه وزغة يندب قتلها.
حتى يُروى أن من قتل هذه الوزغة -يقولون لها ضفة هنا عندنا- من قتلها في أول ضربة بضربة واحدة فله مئة حسنة، فإن قتلها بالثانية فله تسعين، وإن قتلها بالثالثة فله ثمانين، وهكذا تنقص إذا كان قتلها بعد.
وذكرها هنا قال: "وكان ﷺ يقول: "من قتل وزغاً في أول ضربة كتب له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك"، ذكر في صحيح مسلم.
وكان ﷺ يقول: "اقتلوا العنكبوت فإن شيطان مسخه عز وجل"، "وكان رسول الله ﷺ ينهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع، وكان ﷺ ينهى الطبيب أن يجعل الضفدع في الدواء، وكان ﷺ ينهى أكل الرخمة وعن قتل الحيات التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين، فإنهما اللذان يخطفان البصر ويتبعان ما في بطون النساء"، تُسقط إذا رأته الحامل؛ تُسقط ما في بطنها، نوع من الحيات هذا.
وكانﷺ يقول: إن لبيوتكم عمّاراً فخرجوا عليهن ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك شيء فاقتلوه".
يقول: إن الله تعالى جعل من حكمته أن بيوت بني آدم يسكنها جماعة من الجن، قال: فقد يتصور الجن بصورة حية ونحوها. فقيل: إن ذلك مخصوص ببيوت المدينة، وقيل: هو عام. فأمرهم إذا رأوا حية في البيت أن ينذرونها، يقولون: ابعدي وإن كنتِ غير حية لا تتصوري بصورة الحية وإلا فسنقتلك، فإذا أنذروها ثلاث أيام وظهرت فتُقتل ولا يضرهم من ذلك شيء، -لا إله إلا الله سبحان خالق كل شيء-.
فالوزغ من الحشرات المؤذيات أمر النبي ﷺ بقتله ورغّب فيه، وتكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها، ومندوب الحث على المبادرة بقتله والاعتناء به ، وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة.
وفي العنكبوت ورد هذا الحديث: "طهّروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه يورث الفقر".
رزقنا الله الاستقامة، وأتحفنا بالكرامة، وتولّانا بما هو تعالى أهله في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وأحلنا دار الكرامة مع المحبوبين من عباده أهل وداده من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب. وأصلح شؤون أمة الحبيب ﷺ أجمعين، ودفع السوء عنا وعنهم ظاهرًا وباطنًا، وحوَّل الأحوال إلى أحسنها، وأظهر فيهم راية الحق والهدى والدين القويم، ودفع عنهم كيد الكائدين واعتداء المعتدين وشر كل ذي شر من الإنس والجن والخلائق أجمعين، وختم لنا أجمعين بأكمل الحُسنى وهو راضٍ عنا.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
25 شوّال 1447