(454)
(629)
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 420- كتاب الأشربة (04) فصل في شرب العصير ما لم يغل أو يأت عليه ثلاث وما طبخ قبل غليانه
صباح السبت 8 ذو القعدة 1447هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فصل في شرب العصير ما لم يُغل
أو يأت عليه ثلاث وما طبخ قبل غليانه فذهب ثلثاه
"تقدم حديث انتباذ عائشة -رضي الله عنها- لرسول الله ﷺ التمر والزبيب، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه للخادم أو أمر به فصب، وإنما كان يسقيه للخادم يبادر به الفساد، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: "علمت يومًا أن رسول الله ﷺ صائمًا فأتيته عند فطره بنبيذ صنعته في دباء فإذا هو ينشُّ، فقال: اضرب بهذا الحائط فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر"، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: اشربوا العصير ما لم تأخذه شيطانة، قيل: وفي كم تأخذه شيطانة؟ قال: في ثلاث.
وكان أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- وعمر وأبو الدرداء رضي الله عنهم يشربون من الطلا ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو الذي إذا حف صار اسمه ملبناً .
قال شيخنا -رضي الله عنه-: وهذا لا يتمشى إلا على مذهب من يرى أن النار تطهر، وإلا فيحرم استعماله من حيث النجاسة ولو لم يُسِكر، وكان أبو عبيدة ومعاذ -رضي الله عنهما- يشربان الطلا على الثلث، والبراء بن عازب وأبو حجيفة يشربانه على النصف، وقيل للإمام أحمد -رضي الله عنه- إنهم يقولون: إن شُرب الطلا إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يسكر؟ فقال: لو كان يسكر ما أحله عمر وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-، وسيأتي في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى بيان حد شارب الخمر، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتك، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَدد مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان من جمع له الحسن جميعا، صاحب الجاهات الوسيعة، سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه ومن أضحى وديده وتبيعه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين أهل المراتب الرفيعة، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ويذكر الشيخ -رحمهُ الله- في هذا الفصل ما يتعلق "بالنبيذ وشرب العصير ما لم يغلى بالنار أو يأتي عليه ثلاث"، أي: يمر عليه ثلاث ليالٍ فيتعرض بعد ذلك لأن يكون مسكرًا، "وما طبخ قبل غليانه فذهب ثلثاه".
فيقول: "تقدم حديث انتباذ عائشة -رضي الله عنها- لرسول الله ﷺ التمر والزبيب، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان رسول الله ﷺ ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر، فإن بقي شيء سقاه للخادم -يعني: يتبادر به قبل أن يتحول إلى مُسكر- أو أمرَ به فصُب -أي: أُريق خشية من أن يناله الإسكار-، وإنما كان يسقيه للخادم يبادر به الفساد".
وهكذا علمنا:
فإذا بقي أكثر من ذلك:
يقول: "وكان أبو هريرة -رضي الله تعالى- عنه يقول: علمت يومًا أن رسول الله ﷺ صائم، فأتيته عند فطره بنبيذ صنعته في دباء". ومعنى "في دباء": أنه في إناء من قشر الدباء، وقد نهى عن ذلك في أول الأمر لكونه يُسِرع فيه التخمر، نهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير لأنها أواني يُسرع فيها التَخمُر، فنهاهم أول ما حُرِّمَ الخمر على الانتباذ فيها ليبعدوا؛ فلما استقر الأمر وعرفوا صار الحكم منوطًا بالإسكار؛ إذا أَسكر فهو حرام.
وهكذا لما كان في الدباء، بدأ يتأثر النبيذ الذي وضعه في الدباء سيدنا أبو هريرة، "فإذا هو ينشُّ -فلما بدأ فيه النشيش جاء به إلى النبي ﷺ-، فقال: اضرب بهذا الحائط -يعني: ارمه- فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر"، والعياذ بالله تبارك وتعالى.
ففيه أنه لا يدمن الخمرةَ إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن بقي في قلبه إيمان فلا يستطيع ذلك، وهو أيضًا عند تناوله يكون منزوع الإيمان، "ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمنٌ".
قال: "فإن هذا شراب من لم يؤمن بالله واليوم الآخر"، كما جاء عند النسائي وابن ماجه والبيهقي.
"وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: اشربوا العصير ما لم تأخذُه شيطَانة، قيل: وفي كم تأخذُه شيطَانة؟ قال: في ثلاث"؛ يعني: ما زاد عن ثمانية وأربعين ساعة ودخل في الثالث، فيكون معرضًا لأنه يتحول إلى مسكر، ينبغي أن يُجتنب.
"وكان أبو موسى الأشعري وعمر وأبو الدرداء -رضي الله عنهم- يشربون من الطلا ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه وهو الذي إذا حف صار اسمه ملبناً"، وذلك أنه إذا غُلِي فذهب الثلثين، لا يبقى شيء من أثر الإسكار في الباقي.
"قال شيخنا -رضي الله عنه-: وهذا لا يتمشى إلا على مذهب من يرى أن النار تطهره -وهو مذهب ابو حنيفة- وإلا فيحرم استعماله من حيث النجاسة ولو لم يسكر"، -إذا هو تنجس-.
"وكان أبو عبيدة ومعاذ -رضي الله عنهما- يشربان الطلا على الثلث"؛ يعني- إذا بقي الثلث وذهب الثلثان.
"والبراء بن عازب وأبو حجيفة يشربانه على النصف"، إذا قد ذهب بالغليان نصفه؛ والأمر كله يدور على ذهاب الإسكار.
"وقيل للإمام أحمد -رضي الله عنه-: إنهم يقولون إن شرب الطلا إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يسكر؟ فقال: لو كان يسكر ما أحله عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين"، فالأمر منوط بذلك.
قال: "وسيأتي في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى بيان حد شارب الخمر".
من جلده حدًّا أربعينًا إن كان حُرًّا، وعشرين إن كان مملوكًا، وزيادة الحاكم بالتعزير إلى الثمانين، والقصد الزجر والنهي عن هذا الشراب المحرم.
وهكذا اعتبر الحنفية..
ويُروى في قول عند الحنفية أنه يحل شرب القليل الذي لا يُسكر، ولكن بشروط مقيدة:
وذكروا الأحاديث، منها ما جاء عن ابن عمر أنه أُتي ﷺ نبيذٍ فشمه، فقطب وجهه -لأن فيه شدة-، ثم دعا بماء فصُبَّ عليه وشرب منه بعد ذلك"، في رواية الدارقطني وغيرها.
وكذلك ما جاء: "لا تنتبذوا الزهو -أي: ثمرة النخل إذا خلص لونها إلى الحمرة أو الصفرة- والرطب جميعًا"، وتقدم معنا في باب الخليطين.
"ولا تنبِذوا الرُّطبَ والزَّبيبَ جميعًا، ولكن انتبذوا كل واحد منها على حدته"، والقصد كله البعد عما يقرب من الإسكار.
وكذلك جاء عن أبي سعيد: "أن النبي ﷺ نهى عن التمر والزبيب أن نخلط بينهما"، يعني في الانتباذ، وتقدم معنا في باب الخليطين، والأمر أيضاً عند الجمهور منوط على الإسكار.
ولِمَا جاء عن السيدة عائشة قالت: "كنا ننتبذ لرسول الله ﷺ تمرًا وزبيبًا"، قالت: "نأخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فنطرحهما في الإناء ثم نصب عليه الماء، فننتبذ غدوة فيشربه عشية، وننتبذ عشية فيشربه غدوة" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ وهكذا صار الحكم.
ثم بعد ذلك أن الجمهور يقولون: إذا صار مسكرًا فقد صار نجاسة؛ فهو نجس يجب التطهر منه.
وجاء عند ربيعة شيخ مالك، وكذلك ما جرى عليه الصنعاني والشوكاني أنهم تأولوا الرجس إلى أنه رجس معنوي وأنه ليس بنجس وأنه طاهر؛ لكن الجمهور منهم الأئمة الأربعة على أن المائع المُسكر نجس، بخلاف الجامد منها.
نسأل الله أن يرزقنا كمال الإيمان واليقين والتقوى في الأكل والشرب واللباس والأخذ والعطاء والنظر والقول والفعل والحركة والسكون؛ اجعلنا ممن اتقاك، وممن يرجوك ويخافك ويخشاك، ويسلك بنا مسالك أهل رضاك في لطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
17 ذو القِعدة 1447