كشف الغمة - 421- باب أداب الأكل وبيان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وإيثاره على نفسه

للاستماع إلى الدرس

شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبد الوهاب الشعراني: كشف الغمة - 421- باب أداب الأكل وبيان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وإيثاره على نفسه 

صباح السبت 15 ذو القعدة 1447هـ 

 

نقاط مهمة يتضمنها الدرس:

  •  سنة خلع النعلين عند الطعام: فوائد وآداب
  • أصحاب الصفة ومناداتهم للطعام بـ "الصلاة"
  • صفة مائدة النبي ﷺ وذمّ الترفه الزائد
  • فوائد الحبوب بقشورها والتحذير من الدقيق الأبيض المكرر 
  • أكثر طعام النبي الشعير، وحدوث المناخل
  • أسرار التسمية في طرد الشيطان من البيت والمأكل
  • تدارك البسملة لمن نسي
  • فقه الأولوية في بدء الطعام
  • أدب النبي في الأكل من صغره
  • قصة التي تركت البسملة للأكل
  • صفة جلسات النبي ﷺ عند الأكل وعدم أكله متكئاً
  • قصة أعرابي مع ذهاب بركة الطعام
  • بركة الاجتماع على الأكل وإشباع الجماعة بالقليل
  • النهي عن الأكل والشرب بالشمال وتشبه الشيطان بذلك
  • الأكل من حواف الطعام لبركته
  • توجيهات نبوية: سمّ الله وكل بيمينك وكل مما يليك
  • تتبع الدباء (اليقطين) وحب النبي ﷺ له
  • فوائد في الأكل بالثلاث أصابع ولعقها
  • بركة ما سقط من المائدة وعلاقته بسعة الرزق
  • متى يُشرع استخدام السكين في قطع اللحم ومتى يُنهش؟
  • حديث: للأكل فرحة عن أكل اللحم
  • كرم النبي ﷺ في تقسيم الهدايا على الحاضرين
  • أدب غض البصر عن لقمة الأخ وتصوير الآكلين بغير إذنهم!
  • قسوة الأكل لمن يكثر اللحم
  • ذم النبي كثرة الأكل وحثه على إطعام المحتاج
  • من هو المتكئ في الأكل؟
  • هل البسملة للأكل فرض كفاية؟
  • تعليم النبي للصحابة كل شيء

 

نص الدرس المكتوب:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)،  إلى أن قال:

باب آداب الأكل وبيان عيش النبي ﷺ 

وإيثاره على نفسه وتقلُّلِه من الدنيا وغير ذلك

 

"قال أنس -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "اخلعوا نعالكم عند الطعام فإنها سنة جميلة"، وفي رواية: "إذا أَكلت فاخلع نعليك فإنه أروح لقدميك"، وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: كان أصحاب الصُفة ينادي مناديهم للطعام الصلاة الصلاة. قال شيخنا -رضي الله عنه-: وفيه دليل على أن كل ما أريد به وجه الله تعالى صلاة، ويشهد له خبر ابن عباس الآتي في الباب الجامع في إماطة الأذى عن الطريق: "أَمرُك بالمعروف صلاة ونهيك عن المنكر صلاة، وحَملك على الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة"، والله أعلم. 

 

وكان أنس -رضي الله عنه- يقول: "ما أكل رسول الله ﷺ على خوان قط ولا في سُكرّجة ولا غربال، بل كان يأكل على السفرة أو الأرض"، وكان -رضي الله عنه- يقول: "ما أَكل رسول الله ﷺ خبزاً مرققاً حتى مات"، وقيل لسهل بن سعد -رضي الله عنه-: هل كان لكم مناخل على عهد رسول الله؟ فقال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله عزّ وجل حتى قبض، فقيل: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول ؟ قال كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه.

وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله على أوله وآخره، فمن قال ذلك قاء الشيطان كل شيء كان أكله"، وكان حذيفة -رضي الله عنه- يقول: "كُنّا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا فيه حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، فحضرنا مرة طعاماً فجاءت جارية كأنها تدفع فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها ثم قال: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يُذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، وايم الله إن يده في يدي مع يدها". 

وكان ﷺ يقول: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، قال ذلك حين خَيرهُ الله تعالی بین أن يكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فما أكل بعد ذلك طعاماً متكئًا حتى لحق بالله عز وجل، وكان واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- يقول: صنعت طعاماً لرسول الله ﷺ يوم خيبر فأكل متكئًا.

قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وكان رسول الله ﷺ يأكل مرة طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين فقال ﷺ: أما إنه لو سمى لكفاكم".

وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد أنه يأكل ولا يشبع يقول: "لعلكم تفترقون ثم يقول: اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه"، وكان عقبة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: كل طعام لا يذكر اسم الله عليه فهو داء ولا بركة فيه، وكفارة ذلك إن كانت المائدة موضوعة أن تسمي وتمد يدك وإن كانت قد رفعت أن تسمي الله تعالى وتلعق أصابعك، وكان ﷺ يقول: "لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله"، وكان ﷺ يقول: "البركة تنزل في وسط الطعام وأعلاه فكلوا من حافته وأسفله ولا تأكلوا من وسطه ولا من ذروته"، وقال عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه-: "كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك”، فما زالت تلك طعمتي بعد، وكانت الصحابة -رضي الله عنهم- يرخصون لمن قرّب إليه طعام أن يقدمه إلى من قعد معه، وسيأتي آخر الكتاب عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يتتبع الدُباء فجعلت أجمعه بين يديه.

وكان ابن عباس -رضي الله عنه-ما يقول: الدُباء كل شجرة أخذتها فتبعك أصلها كالقثاء والبطيخ واسم اليقطين يعم ذلك كله، وكان ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث الإبهام والمسبحة والتي تليها، وكان ﷺ يقول: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان"، وكان ﷺ يقول: "من أكل مما يسقط من المائدة عاش في سعة من الرزق، وعوفي من الحمق هو وولده وولد ولده"، وكان ﷺ يأمر بلعق القصعة ويقول: "إنكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة". 

وكان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- يقول: "ضفت النبي ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوي، ثم أخذ ﷺ الشفرة فجعل يَحِزُّ لِي منها ويطعمني"، وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "أُدن العظم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ"، وكان ﷺ يقول: "لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم وانهشوه نهشاً فإنه أهنا وأمرأ"، وهذا محمول على اللحم اليسير على العظم، أما ما يشق حمله لكبره فيقطع منه بالسكين كما في حديث المغيرة السابق. 

 وكان ﷺ يقول: "إن للقلب فرحة عند أكل اللحم وما دام الفرح بامرئ إلا أشر وبطر فمرة ومرة"، وكان إذا أهدى إليه أحد هدية يفرقها على الحاضرين، وأُهدي إليه مرة طبق من زبيب فقال ﷺ: نعم الطعام الزبيب ثم فرقه على الحاضرين، وأهدي له ﷺ تمر فجعل يقسمه وهو محتفز يأكل منه أكلًا ذريعًا، وكان ﷺ يقول: لا يتبعنّ أحدكم بصره لُقمة أخيه"، وقال أنس -رضي الله عنه-: "رأى رسول الله ﷺ مرة رجلًا سمينًا فطعن في بطنه وقال: لو كان بعض هذا في غير هذا المكان لكان خيرًا لك"، والله سبحانه وتعالى أعلم. 

اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.

 

الحمد لله الذي أكرمنا بالشريعة وبيانها على لسان من جمع فيه وله الحُسنَ جميعه، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وأصحابه وأهل اتباعه في كل شؤون، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات من يهدون بالحق وبه يعدلون، وعلى آلهم وصحبهم والتابعين لهم، وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

 

وبعد؛ 

فيذكر الشيخ -عليه رحمة الله- في هذا الباب آداب الأكل، وعيش النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وإيثاره وتقلله من الدنيا وما كان من هديه الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. 

ويقول: "قال أنس -رضي الله تعالى عنه- كان الرسول ﷺ يقول: "اخلعوا نعالكم عند الطعام فإنها سنة جميلة". 

فينبغي للذي أراد أن يتناول الطعام أن يخلع نعليه إذا كان لابسًا للنعلين؛ فالسنة أن يخلع النعلين من أجل الطعام، ولا يتأكد ذلك في الشراب. 

والنعلين دون الخفين، أما الخفين فلا ينزعهما، ولكن يخلع النعلين. 

وفي رواية: "إذا أكلت فاخلع نعليك فإنه أروح لقدميك"، وفي رواية: "أروح لأقدامكم"، وفي رواية "أروح لأبدانكم". 

فيقول: أمر بنزع النعلين عند الطعام، أي: عند إرادة أكل الطعام، فهذه الخصلة وصفها بأنها سنة، أي: طريقة وسيرة جميلة أي حسنة مرضية، فالأمر للإرشاد. 

وجاء عند الديلمي عن ابن عمر أيضًا أنه ﷺ قال: "أيها الناس إنما خلعت نعلي لأنه أروح لقدمي، فمن شاء فليخلعهم ومن شاء فليصلِّ فيهم" هذا في الصلاة؛ وكذلك هذا الذي نسميه الحذاء وما التحق به من الجزمات وغيرها بخلاف الخفين، ويكون هذا عند تناول الطعام لا عند شُرب الشراب، فلا كراهة ولا خلاف أَوْلَى في أن يشرب وفيه النعلان.

 

يقول: "وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول: كان أصحاب الصُّفة ينادي مناديهم للطعام الصلاة الصلاة. قال شيخنا -رضي الله عنه-: وفيه دليل على أن كل ما أريد به وجه الله تعالى صلاة، ويشهد له خبر ابن عباس الآتي في الباب الجامع في إماطة الأذى عن الطريق: "أمرك بالمعروف صلاة ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك على الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة"، أي: طاعة وعبادة مأخوذة من نُسُك وهي من معنى الصلاة، وهي متعلقة أيضاً بالدعاء. 

 

ولما كانوا أيضًا مع نيتهم في الطعام إنما يكون للتقوي على طاعة الله والامتثال لأمره على هيئة الاتباع لرسوله ﷺ، وكانوا يخلطونه بالذكر والدعاء فسمُّوه صلاة، فإذا تيسر لهم طعام، وكان أهل الصفة إنما من وقت لوقت يتيسر لهم الطعام، وقد يقضون اليوم واليومين لا طعام لهم وهكذا وأكثر؛ فإذا وجدوا الطعام تنادوا يقولون له: صلاة صلاة، أي: تعالوا إلى ما يعينكم على الصلاة؛ صلاة الفرض والنفل، والصلاة بعمومها الدعاء، والمراد به عموم العبادة.

 

يقول: "أنس -رضي الله عنه- يقول: "ما أكل رسول الله ﷺ على خِوان قط"، على خِوان: طبق كبير تخته كرسي أو شيء يميزه  ليرتفع عن الأرض، إنما يضع طعامه على السفرة على الأرض، ما يرفعها فوق شيء، فما كان يميل إلى ذلك فإنه عمل المترفين، فما كان يحب ذلك. 

قال: "ما أكل رسول الله ﷺ على خِوان قط ولا في سُكرُّجة"السُكرجة: كثرة الأبازير والأُدُم حواليه، يعني: جمع عدد كثير من الأبازير والإدامات تُصفّف حوله، فما كان هذا من عادته ﷺ. 

كانوا يجمعون بعض الكوامخ، يسمونها الجوارشنات ويضعونها حول الموائد للتشهي، لأجل التشهي ولتساعد على الهضم وما إلى ذلك، فما كان هذا من عادته ﷺ، بل مسلكه الكريم وهديه: "نحن قومٌ لا نأكلُ حتّى نجوعَ وإذا أكلنا لا نشبعُ"، لا يحتاج لمهضمات ولا يحتاج لشيء من هذه الأدوية ﷺ. 

قال: "ولا في سكرّجة ولا غربال، بل كان يأكل على السفرة أو الأرض" ﷺ، نعم يضع تحت إناء الطعام سفرة من أجل إذا سقط شيء يسقط عليها فيسهل تناوله من دون أن يصيب اللقمة الساقطة أذى.

 

قال: "وكان -رضي الله عنه- يقول: "ما أكل رسول الله ﷺ خبزاً مرققاً حتى مات". جاء في رواية: "ولا خُبز له مُرقق". المُرقق: الذي ينزع منه القشرة، ينزع منه قشرته من الطعام ويبقى فقط اللُّب الأبيض؛ فكانوا يأكلون على السُفر وما يتناولون رقاقاً. وهذا أيضًا فيه إبعاد لفائدة الطعام، فإن أكثر قيمة التغذية في هذه الحبوب ملتصقة بالقشرة، فإذا أُبعد القشر ذهبت القيمة الغذائية في هذا الطعام. 

وأما ما استعمله هؤلاء التجّار بصحة الناس والاتجّار بمصالح الناس والاتجّار بأديان الناس والاتجّار بأبدان الناس وراء الدنيا، لو جاءوا بهذا الدقيق الأبيض على قولهم، وهذا أيضًا منزوع القشر ومع كونه منزوع القشر ضعيف الفائدة للبدن، عادهم بالمواد التي يستعملونها صار فيه أنواع من المضرات للجسد، ويجلب عددًا من الأمراض، وينشرونه بين الناس من أجل كسب الدنيا والدراهم والدنانير ولا يبالون بصحة الناس ولا بمرضهم؛ بل قد يحبون أن ينشروا ما يمرض الناس من أجل أن أصحاب الشركات التي تصنع أدوية تستفيد من مرض الناس، بل يصنعون في هذه الأدوية أيضًا الكثير مما يسبب أمراضًا أخرى من أجل أن يشتفي من ذا فيمرض بالثاني، من أجل يلهفون أيضًا المال وما إلى ذلك، ويكذبون على الناس كذبًا كثيرًا في هذا، إلى حد من تنبه من الأطباء الناصحين لشيء من كذبهم وحِيلهُم وعرف ذلك وتكلم بذلك يرتبون له خُطة ويقضون عليه ويقتلونه! وهذا شغلهم في الحياة سَقَطة، ما يتقون الله، ما يخافون، ما يعرفون الله فيتقونه، ولا عندهم قيم ترعى حقوق الناس، أما الدعاية: نعم، نعتني بالإنسان وصحة الإنسان وحقوق الإنسان ونحرص على الإنسان، كلام كثير لكن الواقع والفعل شيء ثاني تمامًا، شيء آخر؛ والعياذ بالله تبارك وتعالى. 

 

وهكذا مسالك الكفار والفجار والأشرار، إنما الأمناء أنبياء الله وأتباعهم الصادقون، هؤلاء هم الأمناء على أديان الناس وعلى أبدان الناس وعلى صحة الناس وعلى أعراض الناس وعلى خير الناس، هؤلاء هم الأمناء. 

  • الأنبياء باختيار الرحمن اختارهم واصطفاهم. 
  • وأتباعهم بحكم التبعية لهم.  

فيصطفي الله من أمتهم من يصطفي فيكونون ناصحين صادقين مخلصين يؤتمنون على كل شيء، والمؤمن من إتمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، هذا المؤمن، هذه حقائق الإيمان -لا إله إلا الله-.

وهكذا جاء في حديث سهل بن سعد يقول: سأَلْه أبو حازم: هل أكَل رسولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ؟ فقال سَهْلٌ: ما رأى رسولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ مِن حينَ ابتعَثه اللهُ حتّى قبَضه"؛ -النَّقِيَّ: الذي يخرجون القشرة منه، ما كان هذا معروف عندهم- "قال: "فقُلْتُ: هل كان لكم في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ مَناخِلُ؟ قال: ما رأى رسولُ اللهِ ﷺ مُنخُلًا مِن حينَ ابتعَثه حتّى قبَضه"، لأنه كان أكثر طعامهم الشعير؛ وهو الآن كما اكتشفوا من أصح الأطعمة للجسد، فكان أكثر طعامه الشعير ﷺ؛ ومع ذلك فالشعير يكون له قشر غليظ قوي فإذا طحنه يبقى أثر القشر فيه؛ فبعضهم يتخذون المنخل -المنخل حدث بعده- ينخلونه حتى يبقى القشر والدقيق الخالص حق الشعير يستعملونه ومع ذلك وجدوا في قشر الشعير فائدة للجسد أكثر من الشعير نفسه، "فقال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله عزّ وجل حتى قبض، فقيل: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه"، -يعني: وضعنا عليه الماء والمرق- فأكَلْناه مع الشعير وهذا هو الأصح سبحان الله.

وهكذا يقولون على النَّقِي، الخبز الدقيق الحواريّ الأبيض هذا، ولكن قال: "كنا ننفخه" ماشي مناخل، ولهذا عدوا المناخل من البدع التي حدثت بعده ﷺ. 

قال: "فقيل: لسهل بن سعد -رضي الله عنه-:-هذا سهل أبو حازم- هل كان لكم مناخل على عهد رسول الله ؟ فقال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلًا من حين ابتعثه الله عزّ وجل حتى قبض، فقيل: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه".

 

وكان ﷺ يقول: "إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل بسم الله" وهذا من أهم وآكد آداب الطعام؛ أن لا يأكل المؤمن أي شيء كان من الطعام أو الحلوى أو النعناع أو أي شيء، لا يأكله إلا بسم الله -سبحانه وتعالى-؛ فيكون بركة عليه وحراسة له من أن يشركه عدوه الشيطان؛ فإن الشيطان الموكل بابن آدم إذا أكل أكل معه، إلا إن سمى الله، فيمتنع ما يستطيع، وإن شرب شرب معه، وهكذا يشاركه حتى في لباسه، (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) [الإسراء: 64] يقول الله لرأسهم إبليس.

وفي المنزل كذلك، إذا كان يدخل المنزل من دون اسم الله يشاركه، يسكن معه في المنزل، ويبيت في السرير حقه معه إذا لم يسمِّ الله -سبحانه وتعالى-، وإن سمى الله ما يقدر على ذلك يبيت خارج البيت، وهكذا.

 

ويروى أنه  ذكر في بني إسرائيل أنه تقابل شيطانان، شيطان سمين قوي دهين كحيل وشيطان نحيفاً متعباً، فأخذ يقول له صاحبه: مالك؟! -مالي أراك هكذا؟ ليش أنت أشعث وأغبر ونحيف؟- قال: أنا مع رجل إن أكل قال: بسم الله فأظل جائعاً، وإن شرب قال: بسم الله فأظل عطشاناً، وإن لبس قال: بسم الله فأظل عرياناً، وإن دخل البيت قال: بسم الله فأظل خارج البيت وأبيت خارج منزله. قال له: أما أنا مع رجل لا يذكر اسم الله، فأنا أشركه في طعامه وشرابه ومنامه ولبسه ودهنه حتى في إتيانه أهله، أنا أشاركه والعياذ بالله تبارك وتعالى.

 

فالتسمية مهمة:

  • لكل دخول وخروج.
  • ولكل لباس.
  • ولكل طعام ولكل شراب؛ شراب سواء ماء ولا عصير ولا شاي ولا قهوة ولا أي شيء.

بعض الناس عند الماء يسمي وعند الشاي ما شي تسمية! تظل تُشهّي عدوك؟! ولا تعطيه قهوة تقوي؟ لا تخليه يلمس شيء من شرابك، لا قهوة ولا شاي ولا غيره مما تتناوله، بل تناوله بسم الله -سبحانه وتعالى- أقله: بسم الله، وأكمله: بسم الله الرحمن الرحيم. 

وهذا شعار المؤمنين، باسم ربهم يأكلون ويشربون وينامون "باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فاغفر لي ذنبي" هذا شعار المؤمنين فيه شرفهم وعزتهم. ترى من انتمى إلى حزب أو جماعة أو إلى دولة يرفع الشعار حقها عندما يدخل المجلس وعندما يمشي وعندما يسافر يرفع الشعار، وأنت ارفع الشعار إذا أنت مؤمن به فارفع الشعار: بسم الله. فإن تصرفوا بأسماء أحزابهم ودولهم وجماعاتهم أو شركاتهم، أنت باسم رب العالمين تأكل وتشرب، فلك الشرف ولك العزة إذا عرفت هذه الكرامة.

 

يقول: "إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل بسم الله، فإن نسي في أوله على أوله وآخره، -وفي رواية "في أوله وآخره" وفي رواية "أول وآخره- قال: فمن قال ذلك قاء الشيطان كل شيء كان أكله". الأكل اللي نسي يسمي الله في أوله يأكل معه الشيطان، إذا ذكر اسم الله يمتنع والذي أكله في نفس هذه الأكله يتقيّأها ما عاد يقدر عليه، ما عاد يسيغه، يتقيأ يتقيأ الشيطان ما أكل -لا إله إلا الله.- وهكذا كل من غفل أو جهل أو ترك البسملة فينبغي أن يتداركها ولو في أثناء الطعام ولو في آخر لقمة منه، فيقول: بسم الله فإن "قال ذلك قاء الشيطان كل شيء كان أكله".

 

"وكان حذيفة -رضي الله عنه- يقول: "كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعاماً لم نضع أيدينا فيه حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده"، هكذا أدبهم، 

من الآداب إذا اجتمعوا على طعام ما تكون أول من يغرف ولا أول من يحط يده في الطعام، انظر الأكبر فيهم أو الأمير فيهم أو صاحب الصلاح والعلم فيهم، خلوه يبدأ والثانيين بعده يأكلون.

 

وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكن *** بأعجلهم إِذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ

قال جشع هذا الذي عجلته يبدأ قبل الآخرين، اصبر محلك:

  • فإن كان عندهم أمير يبدأ.
  • وإن كان عندهم صالح أوعالم يبدأ.
  • وإلا فالأكبر الأسن منهم يبدأ ثم يأكل الآخرون.

أما الذي يباشر هذا جشع ومخالف للأدب ومخالف للسنة.

 

وإن مُدّتِ الأيدي إلى الزاد لم أكن *** بأعجلهم إِذْ أَجْشَعُ القومِ أَعْجَلُ

 

قال: "لم نضع أيدينا فيه حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده"، وهكذا من أيام صغره -عليه الصلاة والسلام- كان على الأدب، لما أخذه سيدنا أبو طالب، -عمه أبو طالب- لما توفي جده عبد المطلب، وكان ضعيف الحال أبو طالب وقليل المال، فيأتي بالطعام فكان  من صغره يسمي ويبدأ، فكان إذا انتظر أولاده -أولاد أبي طالب- وابتدأ رسول الله  يتبارك الطعام ويكفيهم ويزيد، وإذا ابتدأوا يأكلون قبله يكمَّل بسرعة وبعدهم يريدون، ولاحظ هذا عمه أبو طالب فمنعهم، ممنوع أحد يأكل حتى يضع محمد يده، أول خلوا محمدًا يضع يده، -بعد ما يدخل يده- فكان يسمي الله ويأكل وهو في طفولته ، فكان يتبارك الطعام ويكفيهم، وإذا ماحد هو وإلا بدأوا قبله بسرعة يكملون الطعام وعادهم جائعين. صلوات الله وسلامه عليه، "أدَّبني ربِّي فأحسنَ تأديبي" يقول عليه الصلاة والسلام.

 

قال: "فحضرنا مرة طعامًا جاءت جارية بسرعة كأنها تُدفع، -شرهة بغت تأكل- فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، -أمسك يدها- وقال: إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها". قال: بغى يأكل معنا ما قدر إن سمِّينا عليه، جاء بهذه ودفعها وقال: يأكلون يأكلون، روحي كُلي من شأن يدخل يده مع يدها. قال: "فأخذت بيدها، وايم الله إن يده في يدي مع يدها". قال: أنا مسكت يدها ومسكت يد الشيطان معًا ما خليتها تتناول شيئًا ولا الشيطان يتناول شيئًا من طعامنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهكذا جاء في مسند الإمام أحمد وصحيح الإمام مسلم، يقول: إنه أمسك يد الشيطان مع يدها وما خلاهم يأكلون، قال لها سمّي الله فلما قالت بسم الله نزع الشيطان يده، هرب، تركها، قال لها: كلي الآن صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

 

وكان ﷺ يقول: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، وهذا أيضًا من السنن، وإن جاء في رواية عندكم: "أنه أكل متكئًا"؛ فلبيان الجواز، وإلا فعادته الدائمة أنه لا يأكل متكئًا، لا إلى يمين ولا إلى شمال ولا إلى وراء، بل إذا أكل يلا جلس إحدى جلساته المشهورة للأكل؛ إما أن يضع رجله اليمنى فوق رجله اليسرى، الركبتين فوق الركبتين، والقدمين فوق القدمين، وأضيق ما تكون البطن في هذه الجلسة، وإما أن يجلس مثل التشهد، وإما أن يجلس مستوفزًا؛ ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى، ويروى أيضًا أنه أكل متربعًا.
قال: "وكان ﷺ يقول: "أما أنا فلا آكل متكئًا"، قال ذلك حين خيره الله تعالى بين أن يكون نبيًا عبداً أو نبيًا ملكًا". فاختار أن يكون نبيًا عبدًا. 

وفي الحديث أيضًا قال: جاءني ملك في حجم الكعبة -كبير-، وقال: إن الله يخيِّرك بين تكون رسولًا عبدًا أو نبيًا ملكًا، قال وسيدنا جبريل أمامي يشير إليه بالتواضع، وقال: "بل أكون رسولًا عبدًا"، قال: فشكر الله لي ذلك وقال: أنت أول شافع وأنت أول مشفع وأنت أول من تنشق عنه الأرض، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
ورأته مرة أيضًا بعض النساء المشركات جالسًا يأكل، قالت: انظروا هذا يجلس كما يجلس العبد، فقال : "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. 
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: فما أكل بعد ذلك طعامًا متكئًا حتى لحق بالله عز وجل. وكان واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- يقول: "صنعت طعامًا لرسول الله ﷺ يوم خيبر فأكل متكئًا". ويكون هذا لحاجة أو ضرورة لبيان الجواز، ولكن عامة أكلاته أنه لا يأكل متكئًا ويكره ذلك.

 

"قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: وكان رسول الله ﷺ يأكل مرة طعامًا في ستة من أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين"، الذي يكفي ستة ويغذيهم ويشبعهم، جاء الأعرابي صلحها لقمتين وأكلها كلها، فنفس مقدار الطعام كان يأكلون منه ستة مع النبي ، فيوم قربوا الطعام جاء الأعرابي هذا وصلحها لقمتين وما عاد خلَّى لهم شيئًا! فقال ﷺ: "أما إنه لو سمى لكفاكم". فلو قال: بسم الله يكفيكم كما العادة تأكلونه ويكفي، يكفي الستة كلهم. 

 

"وكان ﷺ إذا شكا إليه أحد أنه يأكل ولا يشبع يقول: "لعلكم تفترقون"، كل واحد لوحده على الطعام، ثم يقول: "اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى يبارك لكم فيه".
 فأحب الأكل إليه ما كان على ضَفاف، ومعنى ضفاف: اجتماع الأيدي، أيادٍ متكاثرة، فكان ذلك أحب إليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

"وكان عقبة بن عامر -رضي الله عنه- يقول: كل طعام لا يذكر اسم الله عليه فهو داء ولا بركة فيه، وكفارة ذلك إن كانت المائدة موضوعة أن تسمي وتمد يدك وإن كانت قد رفعت أن تسمي الله -تعالى- وتلعق أصابعك"، تقول: في أوله وآخره، أو أوله وآخره.

 

"وكان ﷺ يقول: لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". حتى إذا كان أثناء الطعام أراد أن يشرب وفي يده الطعام مثل أي شيء آخر في يده اليمنى، فلا ينبغي أن يشرب بشماله، ولكن يضع الإناء فوق الكف اليمنى ويحميه من السقوط باليسرى، لكن الحمل باليمنى فيشرب، هكذا، لكن يضعه فوق يده اليمنى ما يشرب باليسرى، يجعل الحمل باليد اليمنى، فإذا في باطن يده طعام أو غيره فيضع الإناء على الكف ويحميه فقط من السقوط باليسرى ولكن الحمل يكون على اليمنى ويشرب، فهذه سنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

"وكان ﷺ يقول: البركة تنزل في وسط الطعام وأعلاه فكلوا من حافته وأسفله، -تستمر نزول البركة، فإذا تعديت في وسطه انقطعت البركة- ولا تأكلوا من وسطه ولا من ذروته".

 

"وقال عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنه-: كنت غلامًا، -يعني: طفل صغير- في حِجر النبي ﷺ؛ لأنه توفي أبوه، استشهد في أحد، فتزوج النبي  أمه، التي هي أم سلمة -رضي الله عنها ، فقال: كنت غلامًا في حِجر النبي ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، من هنا لهنا، فقال لي: يا غلام سم الله، أي قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"
فكانت هذه السنن والآداب في الطعام: يا غلام سمِّ الله، اذكر اسم الله، وقل بسم الله، وكل بيمينك -لا اليسرى-، وكل مما يليك، لا تتجاوز، قال: فما زالت تلك طعمتي بعد، من وأنا صغير يوم علمني النبي إلى الآن، خلاص، وأنا ما أكل إلا بيميني وأسمي الله وآكل مما يليني ولا أمد يدي إلى موضع آخر من الصحفة.

 

"وكانت الصحابة -رضي الله عنهم- يترخصون لمن قرِّب إليه طعام أن يقدمه إلى من قعد معه، وسيأتي  آخر الكتاب عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدباء فجعلت أجمعه بين يديه"، لأنه كان يحب الدباء فإذا قُدِّمت في الطعام تتبعها بأصبعه الكريم يأكلها. 
"وكان ابن عباس -رضي الله عنهما-  يقول: الدباء وكل شجرة أخذتها فتبعك أصلها كالقثاء والبطيخ، واسم اليقطين يعم ذلك كله"، قال تعالى عن سيدنا يونس: (وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ) [الصافات:146].

 

"وكان ﷺ إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث الإبهام والمسبحة والتي تليها"، لأنه كان يأكل بالثلاثة، فيُكره الأكل بأصبعين فقط، فإنه فعل المتكبرين، ولا ينبغي أن يزيد على الثلاثة بلا حاجة، يستعين بالأصبع الرابعة، وإن احتاج إلى الخامسة وإلا إن كان مثل الخبز وأي طعام متلاصق ببعضه يكتفي بالثلاثة الأصابع -والسبابة والوسطى والإبهام يدفع بها اللقمة- فذا أفضل، ويمكن يستعين بالأصبع الرابع ويُبقي الخامس إلا للضرورة. 
قال: وبعد ذلك يلعق أصابعه ﷺ حتى تحمر وما يبقى شيء، وفي هذا أيضًا اكتشفوا وجود خروج مادة من الأصابع الخمسة لكن أكثرها الإبهام والسبابة والوسطى، تفرز مادة تساعد على الهضم وتنفع الطعام.

 

"وكانﷺ إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث الإبهام والمسبحة والتي تليها، وكان ﷺ يقول: "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان".

وقد ذكرنا أن سيدنا خالد بن الوليد -رضي الله عنه- كان في غزوة، ودعوا زعماء القوم من المشركين يفاوضون معه، فجاء فقدموا له الطعام فأكل معهم فسقطت لقمة من يده فرفعها وأماط الأذى منها وأكلها، فقال بعض رفقاؤه: يا خالد قدام هؤلاء الكفار ترجع تأكل اللقمة من الأرض تُرجعها فايستخفوا بنا! فالتفت إليه وقال: سنّةٌ من سنن رسول الله أَأَتركها لهؤلاء الحمقى؟! من أجل الحمقى هؤلاء أترك سنة رسول الله؟!، راجع حسابك! ومشى هكذا؛ قال: هذه سنة نبييِّ، لأجل الحمقى هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر، أترك سنة من أجل مكانة عندهم؛ خلهم ليضحكوا ويشبعوا ويعملوا ما شاءوا، أنا معتز بسنة محمد ﷺ، ونِعم الاعتزاز (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) [المنافقون: 8].

قال: "ولا يدعها للشيطان".

 

"وكان ﷺ يقول: "من أكل مما يسقط من المائدة عاش في سعة من الرزق وعوفي من الحمق هو وولده وولد ولده". يقول: أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق.

أنه يوسع له في رزقه ويعافى من الحمق هو وولده وولد ولده، الذي يأكل ما يسقط من المائدة.

"وكان ﷺ يأمر بلعق القصعة ويقول: "إنكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة". 

"وكان المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- يقول: "ضفت النبي ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوي، ثم أخذ ﷺ الشفرة فجعل يَحِزُّ لي منها ويطعمني".

وهكذا إذا كان على العظم لحم يسير قليل فيكتفي بالنهش من دون سكين، وإذا كان عليه لحم كثير أو غليظ فيستعين بالسكين ويقطع. 

 

"وكانت عائشة -رضي الله عنها- تقول: كان رسول الله ﷺ يقول: "أدن العظم من فيك فإنه أهنأ وأمرأ"، وكان ﷺ يقول: "لا تقطعوا اللحم بالسكين -أي: إذا كان سهل المساغ؛ سهل التقطيع- "فإنه من صنع الأعاجم وانهشوه نهشاً فإنه أهنا وأمرأ"، وهذا محمول على اللحم اليسير على العظم، أما ما يشق حمله لكبره فيقطع  منه بالسكين كما في حديث المغيرة السابق". أنه يجز لي منها ويطعمني.

"وكان ﷺ يقول: "إن للقلب فرحة عند أكل اللحم وما دام الفرح بامرئ -يعني: استمر- إلا أشر وبطر فمرة ومرة "؛ مرة كلوا بلحم ومرة بلا لحم ومرة بغيره وهكذا، ولا تجعلوه عادة لازمة لكل يوم.

 

"وكان ﷺ إذا أهدى إليه أحد هدية يفرقها على الحاضرين، وأهدي إليه مرة طبق من زبيب فقال ﷺ: نعم الطعام الزبيب ثم فرقه على الحاضرين، وأهدي له ﷺ تمر فجعل يقسمه وهو محتفز -يعني: جالس على رجله- يأكل منه أكلاً ذريعاً -تصادف جوعه عليه الصلاة والسلام-.

 

"وكان ﷺ يقول: لا يتبعنّ أحدكم بصره لقمة أخيه"؛ فيُكره أن ينظر إلى أفواه الآكلين وهم يأكلون، وأن ينظر إلى لقمهم وما يتناولونه مكروه، وليصرف نظره عنهم، ولا يركز النظر على لقمهم عند أخذها ولا عند وضعها في الفم؛ فإذا كان مجرد النظر مكروهًا فكيف بمن يصور هذا؟! يصور واحد يفتح فمه وواحد يده في فمه! وإن كان من دون إذنهم فهو حرام مأثوم يأثم؛ هذا يضحك عليهم، هذا يتخذهم سخرية، ما يجوز له إن كان من دون إذنهم، ما يجوز له؛ وكل من قدم للناس أكل جاب الصور حقه وهم يأكلون! كما قال الشيخ الشعراوي -عليه رحمة الله تعالى- جاء عند واحد ضيف، فلما قرَّب الطعام جاء يصور، قال: لا تصور، ما حننكر! ما بننكر أننا أكلنا عندك، تُصلح توثيق علينا أننا أكلنا عندك؟! ما بننكر أنا نحن أكلنا عندك! قال له بدون تصوير ليش تصورنا؟!

وهكذا إذا كان ﷺ يقول: إذا دام، فهذا الذي مر أيضًا معنا أنه الذي يستمر على أربعين يوم ما يترك اللحم كل يوم يقسو قلبه.

 

"وقال أنس -رضي الله عنه-: "رأى رسول الله ﷺ مرة رجلاً سميناً فطعن في بطنه وقال: لو كان بعض هذا في غير هذا المكان لكان خيراً لك". يعني: بدل أن تفرط في الأكل أطعم غيرك، أعطِ جارك وأعطِ قريبك أحسن، يكون خيرًا لك من كثرة الطعام الذي يؤدي أيضًا إلى إضعاف الصحة.

 

  • فالمتكئ: المائل إلى جنب أو إلى وراء أو من يقعد على وطاء ووسائد، فعل من يريد الإكثار من الطعام هذا كله يدخل في المتكئ. 
  • ومع قولهم أن البسملة سنة كفاية، فالحديث هذا أيضًا يقتضي أنه كل واحد يسمي، لأنه أمسك يد الجارية وقال إن يد الشيطان مع يدها وإنه أراد الشيطان يستحل أكلهم، فدل أنه يتمكن الشيطان من الدخول إليهم ولو واحد فيهم ما بسمل.

صلى الله على سيدنا محمد وآله ورزقنا حُسن المتابعة.

قال بعضهم لبعض الصحابة: وأنتوا علَّمكم النبي كل شيء؟! قال: كل شيء علمنا حتى الخِراء!، حتى كيف ندخل الخلاء! كل شيء علمنا، أكل، شرب، لباس، كلام، دخول، خروج، بيع، شراء، رهن، تجارة، سفر، إقامة، نوم كل شيء علمنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جاء بالشريعة الكاملة. 

 

رزقنا الله حسن متابعته ظاهرًا وباطنًا، وهو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، وغمرنا بحسن المتابعة له حتى ننال سر محبة الرحمن، ويرفعنا من الله بذلك إلى أعلى مكان، وينظُمْنا في سلك أهل الصدق من خيار الخلق في خير ولطف وعافية، مع الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.

 

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

19 ذو القِعدة 1447

تاريخ النشر الميلادي

06 مايو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام