الدرس الثاني عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر الأربعاء 23 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
يتضمن الدرس:
- سؤال: تعدد النية في الصلاة الواحدة وجمع النوافل
- سؤال: حكم المأموم إذا اشتغل بسنة عن قراءة الفاتحة
- تعريف سجود السهو ومحله وما يقال فيه
- أقوال المذاهب في مواضع سجود السهو
- سجود المأموم لسهو الإمام
- أحكام سجود التلاوة وعدد مواضعه في القرآن الكريم
- مواضع سجدات التلاوة في السور
- الدعاء المأثور في سجود التلاوة
- تعريف صلاة الجماعة وفضلها وحكمها
- 3 حالات لاقتداء المأموم بالإمام داخل المسجد وخارجه
- شروط صحة القدوة وضابط التقدم على الإمام
- اشتراط إمكان الوصول إلى الإمام وعدم الحائل
- بيان الفرق بين الموافق والمسبوق في اصطلاح الفقهاء
- أحكام سقوط الفاتحة عن المسبوق وإدراك الركعة
نص الدرس مكتوب:
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
سجود السهو
"السهو لغة: النسيان.
والمُراد هنا: مطلق الخلل الواقع في الصلاة.
وأسبابه أربعة:
وهو: سجدتان كسجدتي الصلاة في الشروط والسنن.
ومحلهما: قُبيل السلام.
والأَوْلَى أن يقول الساهي في التسبيح: سبحان من لا يسهو ولا ينام، ويقول غير الساهي: أستغفر الله، يكرر ذلك ثلاثا.
سجود التلاوة
يُستُّ سجود التلاوة في أربعة عشر موضعا من القرآن، جمعها بعضهم في قوله:
بِأَعْرَافِ رَعْدِ النَّحْلِ سُبْحَانَ مَرْيمٍ *** بِحَجَّ بِفُرْقَانِ بِنَمَلٍ وَبِالْجُرُز
بِحَـٰمٍ نَجْمِ انْشَقْتِ اقْرَأْ، فَهَذِهِ *** مَوَاضِعُ سَجْدَاتِ التَّلَاوَةِ إنْ تُجزْ
وينبغي أن يقول في سجود التلاوة:
اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين.
اللهم اكتب لي بها عندكَ أجرا، واجعلها لي عندك ذُخْرَا، وضعْ عني بها وِزْرَا، واقبلها مني كما قَبِلْتَهَا من عبدِكَ داوود".
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.
الحمد لله مكرمنا بالشريعة والدين والبيان على لسان خاتم النبيين، عبده المصطفى الأمين صلى الله وسلم وبارك وكرم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار في دربه إلى يوم الدين، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين وآلهم وصحبهم وتابعيهم وعلى ملائكة الله المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وبعد،،
تقدم الكلام معنا على ما يتعلق بالصلوات النوافل.
ويسأل السائل عن تعدد النية في الصلاة الواحدة؟ فنقول:
- إن من الصلوات ما يمكن اندراجه في غيره، وذلك: كسنة الوضوء، وسنة تحية المسجد، وسنة الاستخارة، وصلاة قضاء الحاجة، وصلاة التسبيح وما إلى ذلك، فهذه تندرج في غيرها.
- أما غيرها فلا يندرج منها شيء في الآخر. فلا يصح أن يجمع في ركعتين: بين قبلية وبعدية، فضلاً أن يجمع بين وتر وراتبة، ولا بين ضحى ووتر، ولا بين ضحى وراتبة، ولا شيء من هذه الأشياء؛ لا تتداخل.
إنما هي مضبوطة ومحصورة النوافل التي تندرج في غيرها -التي يمكن أن تندرج في غيرها- وهي في كل حال قُصِدَ فيه إيقاع صلاة في ذلك الوقت:
- كدخول المسجد، كالقدوم من السفر، كوجود الاستخارة للحق تعالى وطلب الحاجة، كالإحرام بالحج أو بالعمرة؛ فالمقصود وجود صلاة في هذا الوقت، فبذلك هي تندرج مع غيرها.
- وما عدا ذلك فلا تندرج مع غيرها، بل لابد لكل واحدة منها من استقلال في النية.
- فإذا جمع بين اثنتين لا تندرج إحداهما في الأخرى؛ بطلت صلاته ببطلان نيته.
- وأما صلاة الاستخارة وصلاة قضاء الحاجة وسنة التوبة؛ كل هذه من المندرجات في غيرها:
- فيمكن أن تكون مع الضحى ويمكن أن تكون مع نفل أو فرض؛ هذا معتمد الشافعية.
- بينما أيضًا قال بعض الأئمة: لا يجوز درج نيتين في صلاة واحدة؛ بل لابد لكل واحد منها من صلاة مستقلة.
التأخر في الإحرام بعد الإمام؟
وأما التأخر في الإحرام ثم يتأخر بعد الإمام يقرأ الفاتحة، يقوم الإمام من الركوع ثم هو يركع؛ فليس هذا بصحيح على إطلاقه:
- إنما على المأموم إن كان قرأ شيئًا من النفل أن يقرأ مقابله من الفرض.
- ثم إن أدرك الإمام في الركوع وإلا وافقه فيما هو فيه ولم تُحسب هذه الركعة، وإلا الموافِق الذي شك؛ كما سيأتي معكم قريبًا في الذي يُعذر في التأخر عن الإمام إلى ثلاثة أركان ويأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى.
وابتدأ الشيخ -عليه رحمة الله- يذكر لنا "سجود السهو".
وذلك أن السجود يأتي:
- بسجود الصلوات المعهودة وهو معلوم.
- ويأتي بعارض السهو.
- ويأتي بعارض التلاوة.
- ويأتي بعارض الشكر.
فهذه أنواع السجدات التي شُرعت وجاءت بها الشريعة أن يسجد إما في صلاة، وإما لأجل تلاوة، وإما لأجل سهو، وإما لأجل شكر؛ فتحدث السجدات لذلك، ماعدا ذلك ما هناك سجدة مشروعة إلا ضِمن هذه، يسجد ضِمن هذه السجدات.
فمنها سجدة "السهو؛ والذي هو:
- لغة: النسيان.
- والمراد: أنه مطلق الخلل الواقع في الصلاة" سواء كان عن نسيان أو عن تعمد.
وله أسباب ترجع إلى:
- ترك شيء فيكون نقص.
- أو زيادة شيء فيكون زيادة.
أما ما كان من الفرائض فلا جبر له بسجدة سهو ولا غيرها؛ ولكن ما كان من دون الفرائض.
وقد علمتم اختلاف الأئمة في عدّ الفرائض ما هي، كذلك الواجبات والسنن.
يقول: "وهو: سجدتان كسجدتي الصلاة -هذا معلوم ومتفق عليه- في الشروط وفي السنن"
"ومحلهما":
- "قُبيل السلام" مطلقًا عند الشافعية.
- وبعد السلام مطلقًا عند الحنفية.
- وفي تفصيل عند المالكية والحنابلة:
- إن كان سها بزيادة شيء -زاد شيء- فيسجد بعد السلام.
- وإن كان سها بنقص -نقص شيء؛ ترك شيء- فيسجد قبل السلام.
- وكذلك التفصيل عند الحنابلة: فعندهم سجدات قبل السلام وسجدات بعد السلام. وعدوا منها الأسباب التي يكون السجود لها قبل السلام والأسباب الأخرى التي يكون سجود السهو من أجلها بعد السلام بتفصيل عندهم في المذهب.
يقول: "-سجدتان- ومحلهما: قُبيل السلام. والأَوْلَى أن يقول الساهي في التسبيح: سبحان من لا يسهو ولا ينام".
ويضيفه إلى ما هو مشروع من التسبيح في السجود من قول:
- "سبحان ربي الأعلى وبحمده" ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو إحدى عشرة.
- وكذلك الدعاء المأثور في السجود: "اللهم لك سجدتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين".
- وينبغي للذي سها أن يزيد في تسبيحه في سجدتي السهو: "سبحان من لا يسهو ولا ينام".
- أما "غير الساهي": وهو الذي تعمد ترك شيء يُجبَر بسجود السهو: أن يستغفر الله تعالى فهو ألْيَق بحاله، يقول: "أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله"، مع ما يأتي به من التسبيح والذكر المعهود في السجدات.
فهذا ما يتعلق بسجود السهو، وله الأسباب المذكورة عندكم في "السفينة" وفي "المختصر" كذلك.
- وهو عند الشافعية: فيما سموه بأبعاضٍ في الصلاة.
- والسجود موسَّع عند الحنفية:
- في ترك أي سنة من السنن.
- أو واجب أيضًا من الواجبات.
- الواجبات عندهم غير الفرائض؛ والفرائض قد مضى معنا أنها عندهم: التحريم، والقيام، والقراءة في القيام، والركوع، والسجود، والقعدة للتشهد الأخير؛ فهذه الست فرائض عندهم.
- ما عدا ذلك الأمر عند الحنفية يُجبر بسجود السهو، وتوسعوا فيه حتى في ترك السورة عندهم سجود للسهو، وفي ترك التسبيح والتحميد كذلك سجود للسهو، وفي ترك التكبيرات والانتقال، وفي الجهر في موضع السر، والسر في موضع الجهر عندهم سجود للسهو، وليس ذلك عند الشافعية.
كذلك الحنابلة فيما يكون له سجود السهو:
- فمنه رواية عن الإمام أحمد تشبه أو تكون على مثل قول الإمام الشافعي.
- والرواية في الصلاة على النبي ﷺ عندهم واجبة كما هي عند الشافعية، ولكن لم يجعلوها ركنًا كالشافعية.
ولكن ما أدري كيف صورتها عندهم؛ فالصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد واجبة عند الحنابلة، ولكنها تجبر بسجود السهو؛ فكيف تجبر بسجود السهو وهي محلها في آخر الصلاة قبل السلام؟ كيف تجبر؟ بدل ما تجبرها ءائتِ بها… تقول أنا تركت الصلاة على النبي سأسجد للسهو؟ لا..لا، صل على النبي محلك، أنت في موضع الصلاة عليه!
كما يقول الشافعية في الصلاة على الآل في التشهد الأخير. -أما الصلاة على النبي ألحقوها بالأركان؛ وهي واجبة عند الحنابلة ولكن لم يجعلوها من الأركان وجعلوها تُجبر بسجود السهو. وفي رواية عن الإمام أحمد مثل الشافعي أنها من الأركان-.
فكيف يسجد للسهو إذا ترك الصلاة على الآل في التشهد الأخير عند الشافعية؟!
موضع الصلاة على الآل هو نفس الوقت الذي بيسجد فيه، هو هذا موضع الصلاة على الآل، كيف تركها؟ محلك أنت كمَّلت التشهد؟… قال: تشهدتُ وصليتُ على النبي لكن لم أُصلِّ على الآل سأسجد للسهو! لماذا تسجد؟! صلِ على الآل.. أنت محلك، لماذا تسجد؟! صلِّ على الآل ولا عاد تحتاج إلى السجود.
قال الشافعية: وهذا إنما يتحقق فيما قرُّروه من أنه يُسَن للمأموم أن يسجد لسهو إمامه؛ فإذا سمع الإمام صلى على النبي وسلَّم، ولم يُصلِّ على الآل؛ فيُسَن للمأموم أن يسجد.
لماذا يسجد؟ لترك الصلاة على الآل في التشهد الأخير،؛ لمن؟ حق الإمام ما هي حقه هو، لو حقه هو بيتداركها، لكن حق الإمام. فإنما يسجد لذلك إذا تركها إمامه، أما هو كيف يُتصوَّر؟ المنفرد أو المأموم ما يتأتى أن يسجد لتركها؛ لأنه هو وقتها، فيأتي بها؛ ولكن هذا في حق المأموم إذا لم يُصلِّ إمامه على الآل فسلَّم وخرج من الصلاة، فيُسن للمأموم أن يتدارك ذلك.
واتفق الأئمة على أن المأموم:
- لا يسجد لسهو نفسه؛ المأموم مهما سها فإنه تبع للإمام، لا يسجد إلا إذا سجد الإمام.
- كما يسجد لسهو الإمام وإن لم يسهُ هو، فيجب عليه متابعة إمامه، إذا سها إمامه وسجد فوجب عليه أن يتابع الإمام ويسجد بسجدة الإمام.
وهكذا ذكر لنا: "سجود التلاوة":
- سجود التلاوة سواء للمصلي وغير المصلي وهو سنة.
- وهو واجب أيضًا عند الحنفية، واجب:
- يجب على من سمع الآية.
- أو قرأها أن يسجد سجدة التلاوة.
- إلا أنهم لم يشترطوا موالاتها للتلاوة، يسجد ولو بعد حين، فلابد عليه سجدة إذا سمع آية السجدة أو تلا آية السجدة؛ فواجب عندهم أن يسجد.
- وعندهم أيضًا -الحنفية- السجدات في التلاوة أربعة عشر كما هي عند الشافعية، لكن الفرق:
- أنهم جعلوا في سورة الحج سجدة واحدة وهي الأولى فقط وليست الثانية بسجدة عند الحنفية.
- فأين الرابعة عشر؟ الرابعة عشر عندهم في سورة ص، سجدة من عزائم السجدات عند الحنفية:
- والشافعية جعلوها سجدة شكر في المعتمد عندهم، وأنه لا يسجد بها في الصلاة.
- وفي قول عند الشافعية كما هو عند الحنفية: يسجد بها في داخل صلاة وخارج الصلاة، يسجد في سورة ص: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [ص:24]، والأَولى أن يؤخرها إلى الآية الثانية: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ) [ص:25]؛ فهو أفضل بعد ذكر المغفرة.
وكل آيتين اُختُلِف هل السجود عند الأولى أو الثانية ينبغي تأخيرها إلى الثانية أولى وأفضل، ومنه هذه سجدة ص، قيل عند قوله: (وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [ص:24]، وقيل عند قوله: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ) [ص:25] ينبغي أن يؤخرها إلى أن يقول: (لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ) [ص:25] فتكون وقت السجدة باتفاق؛ فعندهم سجدة ص معدودة.
- وأما عند المالكية، فالسجدات إحدى عشر في التلاوة، ليست أربعة عشر، إحدى عشر فقط:
- ليست في الحج إلا سجدة واحدة، وليس في سورة النجم ولا الانشقاق ولا اقرأ سجدة، فنقصت ثلاث من الأربعة عشر فصارت إحدى عشر سجدة؛ بقية مواضع السجود المعلومة.
يقول: "-يُسن- سجود التلاوة في أربعة عشر موضعا من القرآن، جمعها بعضهم في قوله":
- "بِأَعْرَافِ.." فأول سجدة في آخر سورة الأعراف:
- عند نهايتها وقبل ابتداء سورة الأنفال هذا موضع السجود، وهو أول سجدة في القرآن.
- الثانية في سورة الرعد في أولها كذلك؛ "بِأَعْرَافِ رَعْدِ"، سورة الرعد في أولها كذلك.
- الثالث سورة "النَّحْلِ" قبل الإسراء؛ في وسطها سجدة.
- "سُبْحَانَ" في سورة سبحان كذلك آخرها قبل الكهف سجدة.
- سورة "مَرْيمٍ" بعد ذكر الأنبياء في وسطها وسجودهم وأنهم (خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) [مريم:58].
- ثم بعد ذلك في سورة الحج، "بِحَجَّ" هنا عند الشافعية سجدتان، السجدة الأولى المتفق عليها.
- والسجدة الأخيرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الحج:77]، هذا عندهم موضع سجود.
- وسورة "الفرقان" كذلك في آخرها.
- وسورة "النمل" كذلك فيها السجدة عند ذكر الهدهد لسجودهم للشمس دون أن يسجدوا لله، وإنكار الهدهد عليهم هذا الفعل القبيح.
- "وبالجرز": سورة الجرز وهي سورة "الم" السجدة.
- ثم "بحم": حم السجدة كذلك، التي قبل سورة "حم عسق" -سورة فصلت-، تأتي "حم السجدة" فيها السجدة عند ذكر سجود الشمس والقمر والنجوم والجبال.
- يقول بعد ذلك: "نَجْمِ"، سورة النجم آخرها.
- وسورة "انْشَقْتِ"، (إِذَا السَّماءُ انشَقَّت) [الانشقاق:1].
- وآخر سورة "اقْرَأْ".
"..فَهَذِهِ *** مَوَاضِعُ سَجْدَاتِ التَّلَاوَةِ إنْ تُجزْ"، أي: تَمُرَّ بها؛ فإذا مررت بها فإذا حسبتها تجدها ثلاثة عشر، وهو قال أربعة عشر لأن الحج فيها سجدتان فصارت أربعة عشر.
ولم يذكر ص؛ وهي مثبتة عند الحنفية سورة ص، وكذلك في قول عند الشافعية إنها سجدة تلاوة سجدة ص، وفي قولهم إنها سجدة شكر لا نظير لها؛ لأنه ما هناك سجدة شكر تتكرر كلما ذكرتَ وكلما قرأتَ، إنما عندما تتجدد النعم أو تندفع النقم تجي سجدة شكر، أما هذه كلما قرأتَ تجي سجدة شكر؛ هذا مخالِفة لنظام سجدة الشكر عندهم.
يقول: "وينبغي أن يقول في سجود التلاوة" -بل في كل سجدة وبالأخص سجدة التلاوة-: "اللهم لك سجدتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين، -كذلك يضيف- اللهم اكتب لي بها عندكَ أجرا، واجعلها لي عندك ذُخْرَا، وضعْ عني بها وِزْرَا، واقبلها مني كما قَبِلْتَهَا من عبدِكَ داوود"، وتكون سجدته سجدة التوبة سيدنا داود.
فهذه ثلاثة أدعية:
- الأول: "اللهم لك سجدتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ".
- والثاني: " سجد وجهي للذي خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَولِهِ وَقُوَّتِهِ، فتباركَ اللهُ أحسنُ الخالقين".
- والثالث: "اللهم اكتب لي بها عندكَ أجرا، واجعلها لي عندك ذُخْرَا، وضعْ عني بها وِزْرَا، واقبلها مني كما قَبِلْتَهَا من عبدِكَ داوود".
كلها مسنونة، يأتي بأي شيء منها أو لا يأتي بشيء، فالذكر في السجدة مسنون.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:ش
الجماعة
"الجماعة لغة: الطائفة.
وشرعا: ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
وأقلها: إمام ومأموم.
فائدة
اعلم أن للإمام والمأموم ثلاث حالات:
الأولى: أن يجتمعا في مسجد.
فيشترط فيها:
- العلم بانتقالات الإمام.
- وعدم التقدُّم عليه في الموقف.
- وأن يمكن الوصول إلى الإمام ولو بازُوِرَار وانعطاف.
الحالة الثانية والثالثة: أن يكونا خارج المسجد، أو يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه.
فيشترط مع ما ذكر:
- أن يمكن الوصول إلى الإمام بغير ازورار وانعطاف.
- وأن لا يكون بينهما حائل يمنع الرؤية أو المرور.
- وأن لا يزيد ما بينهما على ثلاثِ مِئةِ ذراع تقريبا.
وضابط الازورار والانعطاف: أن يُولي المأموم ظهره القبلة، إذا مشى إلى إمامِهِ بالسير المعتاد".
نعم، هذه أخبار وأحكام "الجماعة".
صلاة الجماعة:
- "الجماعة لغة: الطائفة.
- وشرعًا: ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وأقلها إمام ومأموم".
وكلما كثر الجمع فهو أفضل، لما جاء في الحديث: "صلاةُ الرجلِ مع الرجلِ أزكَى من صلاتهِ وحدهُ، وصلاتهُ مع الرجلينِ أزكَى من صلاتهِ مع الرجلِ، وصلاتهُ مع الثلاثةِ، أزكَى من صلاتهِ مع الرجلينِ، وكلمَا كثرَ فهو أزكَى وأطيبُ"؛ ومدد أكثر، وهكذا يُستحب ما كان أكثر في الجماعة عددًا.
- إلا أن يكون إمام الجماعة الأكثر من أهل المخالفةً للسنة أو المخالفة للجماعة
- أو يكون إذا ذهب إلى المحل الذي فيه الجماعة أكبر يتعطل مسجد قريب منه، فعمارته للمسجد القريب منه أفضل من الجماعة الأكثر عندئذ.
يقول: "الجماعة": وهي فرض كفاية وسنة عين، وفي قول عند الحنابلة واجبة لكل من استطاع أن يصلي جماعة فلا يصح أن يصلي إلا جماعة.
وفي الحديث ذُكر فضلها والحث عليها، وأن التخلف عنها علامة النفاق في كلام الصحابة -عليهم رضوان الله- كما يقول ابن مسعود: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ"؛ وبذلك يتأكد على المؤمن أن يصلي في الجماعة، فأقلها إمام ومأموم وبعد ذلك تزيد.
- ثم إنه تصح أيضًا جماعة النساء وراء الرجال باتفاق.
- جماعة النساء وحدهن على خلاف بين الأئمة: وقال: الحنفية تكره وتصح.
فإذا صلين وحدهن فتكون إمامتهن وسطهن، لا تتقدم إلى ما قبل، وتكون بينهن -وسطهن- وإنما ربما تتقدم يسيرًا كما هو أيضًا عند الشافعية، وإمامتهن وسطهن.
وكانت السيدة عائشة لا تصلي إلا جماعة، فإذا لم تجد أحدًا دعت مسروقًا مملوكها وصلى بها وصلَّت خلفه؛ فهي مؤكدة، وبالنسبة لأهل كل قرية ومنطقة تكون فرض كفاية عليهم.
وإقامة الجماعة في مكان عام لا يستحي أهل المروءات من الدخول إليه؛ ليس في بيت واحد منهم إذا عدَّى أحد مِن أهل المروءة ما يدخل بيت الرجال الثاني!، لكن تكون في موطن إما مسجد أو موطن عام يقيمون فيه الجماعة بحيث يتسنى لكل أحد يحضرها؛ هذا فرض كفاية على أهل كل منطقة، قال ﷺ: "مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ":
- فهي من فروض الكفاية على الأماكن والبلدان.
- وهي في حق الأفراد سنة عين تتأكد.
- وقيل: كما هو في قول عند الحنابلة بوجوبها.
قال: ولم ينقل عن سيدنا رسول الله ﷺ ولا أحد من الخلفاء الراشدين: أنه صلى فرضًا واحدًا منفردًا قط، ما صلوا إلا في الجماعة -عليهم رضوان الله تبارك وتعالى-.
"يقول: اعلم أن للإمام والمأموم ثلاث حالات:
- إما أن يجتمعا في مسجد.
- وإما أن يكونا جميعاً خارج المسجد.
- وإما أن يكون أحدهما داخل المسجد والآخر خارجه".
وهذا من أجل صحة الجماعة واشتراطها:
- فالمالكية لم يشترطوا في صحة الجماعة إلا شرطًا واحدًا، وهو:
- أن يعلم المأموم انتقالات الإمام، فإذا علم انتقالات الإمام صحت الجماعة، صلى سواء كان قبله أو بعده، قُدَّامه أو وراءه، في أي مكان، ما دام يعلم انتقالاته يصلي معه؛ إذا ركع يركع، وإذا سجد يسجد، فهذا شرط وحيد عند المالكية.
- واشترط غيرهم أكثر من هذا الشرط؛ فمنهم ما ذكره الشافعية من اشتراطهم:
- أن يجمعهما مسجد أو مسافة لا تزيد على ثلاثمائة ذراع إذا لم تمتد الصفوف، أما إذا امتدت الصفوف ولو إلى الأميال ما يضر، صلاة الجماعة صحيحة.
- لكن إذا انفصلت فلا يكون بين المأموم والصفوف التي أمامه إن كانت صفوفًا أو الإمام الذي يأتمُّ به إن لم تكن صفوفًا مسافة تزيد على ثلاثمائة ذراع؛ هذا إن كانوا خارج المسجد.
- أما وسط المسجد فيجوز؛ لو كان المسجد كبير طويل، وصلى الإمام في المحراب وكان في آخر المسجد بينهم أربعمائة ذراع وخمسمائة ذراع، وهو يعلم انتقالاته صحت الصلاة لأنه يجمعهما مسجد، أو مسافة لاتزيد على ثلاثمائة ذراع.
يقول:
- "أن يجتمعا في مسجد": هذه الحالة الأولى يُشترط فيها مع:
- العلم بانتقالات الإمام، لابد منه يعلم متى ركع متى سجد متى قام.
- وعدم التقدم عليه في الموقف.
وهذا أيضاً عند الشافعية والحنابلة والحنفية:
- أنه لا يتقدم على الإمام في الموقف، فيكون الإمام أقرب إلى الكعبة منه، هذا من جهة الكعبة.
- إلا إذا صلوا عند الكعبة؛ فيجوز أن يكون المأموم أقرب إلى الكعبة من الجهات الأخرى، غير الجهة التي يصلي الإمام، الجهة التي يصلي فيها الإمام لا أحد يتقدم على الإمام، لكن الجهات الأخرى يمكن المأموم يكون أقرب إلى الكعبة من الإمام، لكن الجهة التي يصلي فيها الإمام لا أحد يكون أقرب منه إلى الكعبة، إلا عند المالكية فيجوز .
قال: 2. "عدم التقدم عليه في الموقف":
- فالعبرة التقدم إن كان في حالة القيام فبالعقبين، لا يتقدم عقبه على عقب الإمام في حالة القيام، إذا صلوا وهم قيام.
- بمعنى لو كانت رجله قصيرة هذا المأموم والإمام رجله طويلة، فهو حط رجله في وسط رجل الإمام، عقبه متقدم عليه لكن أصابعه متأخرة عن أصابع الإما ما تصح صلاته، لأن عَقِبَه تقدم على عقب الإمام، العبرة بالعقِب لا بالأصابع.
- وكذلك العكس لو كان المأموم رجله طويلة والإمام قصير، فأخر عَقِبَه عن عقب الإمام فتقدمت أصابعه على أصابع الإمام فالصلاة صحيحة، لأن عَقِبَه متأخر عن عقب الإمام، فالعبرة في التقدم والتأخر في القيام بالعَقِب.
- وفي الجلوس بالإليتين مقعدته لا تتقدم على مقعدة الإمام.
يقول: لا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه على جزءٍ مما اعتمد عليه الإمام، فالإمام يعتمد على قدمه، فلا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه وهو قدمه في حال القيام، على جزء مما اعتمد عليه الإمام ولو بعض القدم، فإذا تقدم من خلال العقب على الإمام، فقد تقدم بما اعتمد عليه على جزء مما اعتمد عليه الإمام؛ فلا يصح.
قال: "وأن يمكن الوصول إلى الإمام"، بالمشي المعتاد، يعني: لا يكون مقفل عليه وبينه وبينه حواجب، هذا في غرفة وهذا في غرفة مقفلة وما يمكن الوصول إليه. قال له: بس أنت هنا أشوفك أنا، أسمعك صلِّ وأنا بصلي وراءك، وهل يمكن الوصول؟ لا يمكن الوصول، ما يصح لابد أن يتمكن المأموم من الوصول إلى الإمام لو أراد أن يمشي إليه.
قال: 3. "أن يمكن الوصول إلى الإمام بغير ازورار وانعطاف"، يعني: إذا كانوا في المسجد، المسجد فيه جدران من هنا ومن هنا. وبعدين يصلي المأموم في المسجد والإمام في المسجد يمكن الوصول إليه؟ قال نعم، يمكن يحتاج ألف ويدور وأرجع هكذا من بين الجدران… دور لك كما تشتهي؛ ما دام يمكن الوصول بأي طريقة.. فالصلاة صحيحة، هذا إذا كان ضمهم مسجد.
هذه شروط في حالة جمعهم مسجد،
"أما أن يكونا خارج المسجد، وأن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه".
- ومنه إذا كان خارج المسجد وبينهم نهر، لا يمكن المشي فيه بالأقدام العادية إلا بالسباحة أو بالقارب.. لايصح لأنه لا يمكن الوصول إلى الإمام، أو جدار أو باب مغلق.
يقول: "أن يكونا خارج المسجد، وأن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه: فيشترط مع ما ذكر -الثلاثة نفسها-: أن يمكن الوصول إلى الإمام بغير ازورار وانعطاف". كيف بغير ازورار وانعطاف؟
- يعني: بالمشي المعتاد؛ ما يولِّي ظهره القبلة، يمشي حتى يصل للإمام من دون ما يولِّي ظهره إلى جهة القبلة، فيمكنه المشي حتى يصل إلى المكان الذي يصلي فيه للإمام من دون أن يولي ظهره القبلة.
- فأما إن كان ما يوجد طريق إلا لابد… مثل أن أراد أن يصلِّي قدام الباب هذا الأول في الخارج، فإذا أرد أن يصل عند الإمام يستدبر القبلة لكي يدخل من الباب!
- هذا عند الشافعية لا يصح.
- عند المالكية يصح؛ ما دام يعلم انتقالات الإمام.
فعند الشافعية ما يصح؛ لأنه إذا أراد الوصول إلى الإمام من أين يدخل؟! إذا كان الباب في جدار القبلة فسيستدبر القبلة أولاً حتى يدخل ويقف خلف الإمام؛ فهو يستدبر القبلة أولًا. فإذًا؛ الوصول إلى الإمام ممكن ما دام الباب مفتوح؛ لكن بازورار وانعطاف؛ أي: يولّي القِبلة ظهره.
- لو قال: أنا بمشي على وراء؛ تمشي على وراء! لِمَ لاتمشي قدام؛ القصد بالمشي المعتاد مشي الناس المعتاد في الطريق. هل هم يمشون على ورائهم ولا على جنبهم؟ يمشي على طول، المراد المشي المعتاد.
ولهذا يقول: "أن يُولي المأموم ظهره القبلة، إذا مشى إلى إمامِه بالسير المعتاد".
فلهذا يحتاجون الشافعية إذا أرادوا أن يصلوا في ساحة خارج المسجد ونحوها:
- أن يفتحوا باب من جهة القبلة في المسجد، من أوله:
- إذا انفتح صحت صلاة أهل الساحة كلهم في الخارج؛ من شأن يمكنهم أن يصلوا إلى الإمام من عبر الباب.
- فإن كان الباب في الوسط:
- فمن الباب إلى خلف إلى ماوراء القبلة تصح الصلاة، والذي قبله ما يصح لأنه لا يتأتى الوصول إلا بالازورار والانعطاف.
يقول: "وأن لا يكون بينهما حائل يمنع الرؤية أو المرور":
- بين الإمام والمأموم حائل يمنع الرؤية والمرور كمثل الجدار ونحوه.
- أو يمنع المرور، هو زجاج قوي رصين مطبق المكان، الرؤية يشوف، لكن المرور ما يقدر يمر، محكم الزجاج مقفل.
فهذا ما يصح، لابد أن لا يكون بينهما حائل يمنع الرؤية أو يمنع المرور.
"وأن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع تقريبا"، ولكن إذا كان أحدهما في المسجد والآخر خارج المسجد؛ مسافة المسجد لا تحسب من ثلاثمائة ذراع، لأنها مغتفرة، ولكن ثلاثمائة ذراع من خارج المسجد.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
"الموافِقُ والمسبوق
الموافِقُ: هو الذي أدرك من قيام الإمام زمنا يسع الفاتحة.
والمسبوق: هو الذي لم يدرك من قيام الإمام زمنا يسع الفاتحة بالقراءة المعتدلة.
حكم الموافِق والمسبوق
حكم المسبوق: أنه تسقط عنه الفاتحة كلها أو بعضها، بشرط أن لا يشتغل بعد تكبيرة الإحرام بغير الفاتحة، فإن اشتغل بغيرها كدعاء الاستفتاح أو التعوذ.. وجب عليه أن يقرأ من الفاتحة بقدر ما قرأ من السنة، ثم إن أدرك الإمام في الركوع واطمأن معه أدرك الركعة، وإلا فاتته الركعة".
يتحدث -عليه رضوان الله- عن من "الموافِقُ والمسبوق" في اصطلاح الفقهاء؟
- في اصطلاح الفقهاء:
- من أدرك من قيام الإمام في أي ركعة كانت زمنًا يسع الفاتحة فأكثر فهو موافق.
- ومن أدرك من القيام مع الإمام زمناً لا يسع الفاتحة؛ فهو مسبوق.
فهذا حكم الموافق والمسبوق.
- وإنما في اللغة والعرف: يطلق المسبوق على من جاء في أثناء الصلاة، ولو أدرك من قيام الإمام زمنًا يسع الفاتحة في الركعة الثانية أو الثالثة أو الأخيرة؛ فهو مسبوق لأنه سُبِق…
- ولكن في اصطلاح الفقهاء؛ من شأن يبنون عليه هذا الحكم في متى تسقط الفاتحة؟ ومتى لا تسقط؟ ومتى يدرك الركعة؟ ومتى لا يدرك؟ فقالوا:
- الموافق: من أدرك من قيام الإمام زمنًا يسع الفاتحة، في أي ركعة كانت الأولى والثانية والثالثة.
- والمسبوق من جاء ولم يبق من قيام الإمام إلا زمن لا يسع الفاتحة،؛ هذا مسبوق، هذا عند الشافعية.
وقد علمتم أنه:
- عند الأئمة الثلاثة: تسقط الفاتحة عن المأموم في الجهرية.
- وعند الحنفية سواء في الجهرية أو في السرية: تسقط الفاتحة عن المأموم ولا عليه فاتحة ويتبع الإمام على كل حال.
- فبقي عند الشافعية قالوا: إن كان مسبوقًا فتسقط عنه الفاتحة، إما كلها إن لم يدرك شيئًا يستطيع أن يقرأ فيه شيء من الفاتحة مع الإمام:
- بأن كبّر وركع الإمام؛ لا يستطيع أن يقرأ شيئاً، سقطت عنه الفاتحة كلها.
- أدرك زمن يسير، قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، ركع الإمام، اركع معه، هذا الذي أدركته عليك؛ يسقط الباقي.
- فإما تسقط الفاتحة كلها مثل: إذا أدركه في الركوع، يحرِم ويكبر ويركع خلفه، لا يقرأ شيء تسقط الفاتحة كلها.
- أو تسقط بعضها إذا أدرك من قيامه شيء يسع بعض الفاتحة: فهذا البعض واجب، والباقي يسقط عنه.
- وإذا هو في أثناء الفاتحة كبّر، ولم يشتغل بشيء من السنة: بل بدأ مباشرة بالفاتحة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وقال الإمام:" الله أكبر"، اركع وراءه؛ والباقي سقط عنك ولا تكمل شيء، للحرص على متابعة الإمام.
- فإذا قرأ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، وركع الإمام، نقول له: اقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ)؛ لأن هذا ليس واجبًا قول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، فتقرأ من الواجب بمقدار ما قرأت من السنة.
- فإذا قرأ خلف الإمام "الله أكبر كبيرًا، والحمدلله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا"، ""أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"؛ فقال الإمام: "الله أكبر"؛ اصبر واقرأ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، لأن هذا مقدار ما قرأت من السنة:
- ثم إن أدركته في الركوع؛ فقد أدركت الركعة.
- وإن لم تدركه في الركوع وافقه فيما هو فيه وتأتي بركعة بعد سلام الإمام؛ لأنك الآن مسبوق وخالفت، رجعت تقرأ السننة إن كنت مسبوقًا.
أما إن كنت موافقًا لا، كيف موافق؟
- جئت في زمن يسع الفاتحة، قام يصلي خلف الإمام، قرأ أدعية الافتتاح: "اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي.."، والإمام قال: "الله أكبر"؛ ركع الإمام، وعاده ما قرأ شيئاً من الفاتحة، والذي قرأه طويل يسع الفاتحة وزيادة:
- نقول له: بس محلك، اقرأ الفاتحة، وتُعذر إلى السجدة الثانية كما سيأتي معنا بالفائدة التي بعدها، محلك قم اقرأ الفاتحة، ثم اركع من خلفه، ما دام لم يرفع رأسه من السجدة الثانية، هات بالأركان وراءه حتى تلحقه؛ أما إذا رفع رأسه من السجدة الثانية، خلاص وافقه فيما هو فيه، وأتي بركعة بعد السلام.
هذا الذي سيأتي في الفائدة التي بعدها.
يقول: "حكم المسبوق: أنه تسقط عنه الفاتحة كلها أو بعضها، بشرط أن لا يشتغل بعد تكبيرة الإحرام بغير الفاتحة، فإن اشتغل بغيرها كدعاء الاستفتاح أو التعوذ وجب عليه أن يقرأ من الفاتحة بقدر ما قرأ من السنة، ثم إن أدرك الإمام في الركوع واطمأن معه أدرك الركعة، وإلا فاتته الركعة -فلايحسبها-".
وبالله التوفيق
يزيدنا محبة، ويلحقنا بالاحبة، ويرفعنا إلى أعلى رتبة ويرفع عنا وعن الأمة كل كربة، وينظمنا بسلك من ارتضى، ويلطف بنا وبالأمة فيما يجري به القضاء، ويحول الأحوال إلى أحسنها، ويجعلنا وإياكم متحابين فيه، متجالسين فيه، متزاودين فيه، مقبلين بالكلية عليه، مقبولين بأتحف سنن القبول وبأتم القبول لديه، وأن يقينا كل سوء أحاط به علمه في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة، ويجعلنا من أهل الوجوه الناضرة التي إلى ربها ناظرة، ويشرفنا بالنظر إلى جمال حبيبه المصطفى، ويثبتنا في أهل الصدق وأهل الوفاء وأهل النقاء وأهل الصفاء، وأن يرزقنا حسن المتابعة بالاقتفاء، وأن يتولانا في الظاهر ويتولانا في الخفاء، وأن يعيذنا من كل سوء أحاط به علمه في الدارين، ويحلِّينا بكل زين ويخلِّينا عن كل شين، ويجعلنا لحبيبه قرة عين، ويربطنا بالقرآن وسوره وآياته وكلماته وحروفه ربطًا لا ينحل، وينظمنا في سلك أهل الاقتداء في القرب والنية والقصد والعمل، ويختم لنا أجمعين بأكمل حسنى وهو راضٍ عنا في لطفٍ وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة