(636)
(30)
(368)
الدرس التاسع عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر الإثنين 28 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
كتابُ البيعِ
"البيعُ لغَةً: مقابلةُ شيءٌ بشَيءُ على جهةِ المعاوضةِ .
وشرعًا: عقدُ معاوضَةٍ محْضةٍ يقتضِي ملكَ عينٍ أو منْفَعةٍ على التأبيد.
أركانُهُ ثلاثةٌ إجمالاً وهي: عاقدٌ، ومعقودٌ عليْه، وصيغةٌ.
وستَةٌ تفصيلاً: بائعٌ، ومشترٍ، وثمنٌ، ومُثْمَنٌ، وإيجابٌ، وقبولُ.
شروطُ العاقدَيْنِ
شروطُ العاقدَينِ أربعةٌ:
- أنْ يكونَا بالغينِ.
- عاقلينِ.
- رشيدينِ.
- مختارين.
شروطُ المعقودِ عليْه:
- أنْ يكونَ طاهراً.
- مُنْتَفَعًا بِهِ.
- مقدورًا على تسليمِهِ.
- وأنْ يكونَ مملوكًا للعاقدينِ أو لهما ولايةٌ أو وكالةٌ عليه.
- وأن يكونَ معلوما للعاقدينِ عيناً وقدراً وصفة".
بسم الله، الحمد لله الذي بيَّن الحلال والحرام، وأبان على لسان نبيه الأحكام، اللهم صلِّ وسلم على عبدك المختار خيرِ الأنام، مَن جعلته للأنبياء خير ختام، وعلى آله وصحبه الكرام، ومن والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم القيام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل المكانة لدى ذي الجلال والإكرام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
وأشار الشيخ في هذا إلى ما يتعلق بالبيع والشراء، وذلك فيما جعلَ الله من المعاملات بين الناس، وأشار إليها بقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة:275].
والبيعُ كما أشار أنه:
"عقد مُعاوَضة مالية تفيد مُلك عين":
تنتقل السلعة من البائع إلى المشتري، والثمن من المُشتري إلى البائع؛ فيملكان ذلك: عين السلعة وعين الثمن.
"أو منفعة على التأبيد":
فيما يُمثِّلونه في بيع الانتفاع بوضع الخشب على جدار مثلا وما أشبه ذلك.
فما أفاد المنفعة على التأبيد أوانتقال المُلك فهو البيع بهذه المُعاوَضة.
وسيأتي بعد ذلك ما يُفيد انتقال المُلك من غير المعاوضة من نذرٍ وهِبة وما إلى ذلك من الإرث وغيره مما يحصل بانتقال الملك من غير عقدِ مُعاوَضة مالية.
يقول: أركانه ثلاثةٌ إجمالاً:
فكانت الإيجاب والقبول هذه الصيغة التي يذكرها الأئمة في صحة البيع؛ لأنها دليل التراضي:
فكيف يُعبَّر بالتراضي إلا بمثل الايجاب والقبول.
ومابين مُشدّدٍ بعد ذلك في الايجاب والقَبول وصيَغِه وما بين متساهل؛ وكان يميل الشيخ الشوكاني وغيره من الأئمة أنه:
يقول: هذه الثلاثة تتحول الى ستة عند التفصيل؛ لأن كل واحد منهما يشتمل على اثنين:
فإن فصَّلت قلت:
وإن أجملتَ قلت:
وكان مما اعتنى به ﷺ أول وصوله للمدينة:
وكان بنفسه ينزل إلى الأسواق ويدور وينظرُ ما يجري فيها على مقتضى الأحكام التي أوحِيَ إليه فيها:
وكان يُراقب ويرعى قيام البيع والشراء على مُقتضى الشرع المصون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ إلى الحد الذي سمعتم فيه قول سيدنا عمر بن الخطاب: "من لم يتفقه في ديننا فلا يَبِع في سوقنا".
وهكذا يأتي بالشروط للعاقدَين البائع والمشتري.
الشروط للعاقدين أربعة:
ويُشترط أن يكونا بالغين، عاقلين، رشيدين، والرشيد: المُصلح لأمر دينه ودنياه؛ الذي لا يُبذِّر المال سفهاً.
و شروط المعقودِ عليه؛ وهو الثمن والمُثمَن:
1. أن يكون طاهراً:
2. مقدوراً على تسليمه:
فمن باع شيئاً وإن كان في ملكه ولكنه مأخوذ عليه بيد سلطان ظالم، أو بيد غاصب غصبه إياه، فقال له: هذا ما تبيعه عليّ؟، فقد يقول إنه معه فُرصة: أبيعه برخيص مادام ما هو تحت يده، ووقت ما يرجع بعدين بيكون لي. فقالوا:
3. وأن يكون مملوكاً للعاقِدَين:
3. مملوكاً للعاقديْن أو لهما ولاية أو وكالة عليه.
4. وأن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة.
يكون معلوماً بالعَين والقَدر والصفة حتى لا يكون فيه الغرَر والجهالة والضرر. وعلى كلٍ:
فهذا مختصرٌ عما يتعلَّق بالبيع؛ لأن "الزُبَد" و"السفينة" في كتاب العبادات ليس فيها شيء في ربع المعاملات، إلا ما كان في "المختصر" في آخره، ذكر فُصولاً في البيع والشراء ذكرها في آخره في فصلين ولهذا تعرض لها في الفوائد.
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
الخِيَار
"الخيارُ ثلاثةُ أقسامٍ:
خيارُ مجلسٍ ، وخيارُ شرط ، وخيارُ عيبٍ .
- فَخيارُ المجلسِ يَثبتُ في جميعٍ أصنافِ البيعِ، ولا ينقطعُ إلا بالتخاير أو بالتفرُّقِ بأبدانِهِما.
- وخيارُ الشرطِ: يجوزٌ للمتعاقدَينِ أو لأحدِهِما شرطُ الخيارِ ثلاثةَ أيامِ فَما دونها، ويشْتَرَطُ: أنْ يذكرَ المدَّة، وأن تكونَ متواليةٌ، وكونُها معلومَةٌ، ومتَّصلَةً بالعقدِ، وأنْ يأمَنَ فسادَ المبيعِ مدَّةَ الخيارِ .
- وخيارُ العيبِ: يَثبتُ إذا ظَهَرَ بالمبيعِ عيبٌ كانَ منْ قَبْلِ القبضِ؛ منْ كلِّ ما ينقُصُ العينَ أو القيمةَ نقصًا يفوتُ بهِ غرضٌ صحيحٌ، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ.
ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا، وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ إنْ لَقِيَ عدلاً، وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ، وإلَّا .. فلا رَدَّ".
يقول: "الخِيار" في البيع وفي الشراء يكون إما لأجل المجلس؛ أي هما لا زالا في المجلس الذي تعاقدا فيه لم يتفرقا ولم ينصرف أحدهما عن الآخر. فجاء في ذلك الحديث في قوله ﷺ: "البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما":
1. خيارُ المجلس أي: ما داما في المجلس فلكل منهما أن يَرجع، فيقول: ما عاد أريد أشتري، ويقول هذاك: خلاص أنا ما عاد أريد أبيع عليك، فله حق الخِيار ما داما في المجلس لم يتفرقا بعد.
إذا اشترى من أحدهم بضاعة ويجي يجلس يتكلم معه وخاف أن ينقلب عليه، يقول له: اسمع؛ أول سنختار لزوم البيع، ويحتار لزوم البيع وبعدها يجلس معه ويتكلم لما تشبع؛ وماعاد له حق الرجوع في خيار المجلس.
فهذا خيار المجلس: ما داما في مجلس البيع والشراء فلكل منهما أن يختار إلا أن يُسقِط حقه. فهذا الذي أشار بقوله:
2. "وخيار الشرط: يجوزٌ للمتعاقدَينِ أو لأحدِهِما شرطُ الخيارِ"، يجوز شرط الخيار:
ولكن لمدة ثلاثة أيام أو أقل؛ وكذلك:
يقول: نعم ثلاثة أيام، بس اليوم واحد منها، بكرة بعد بكرة ماشي، يوم الاثنين لنا الخيار ثلاثاء وأربعاء ماشي، الخميس لنا خيار جمعة سبت ماشي، أحد خيار! ما له معنى هذا؟ يمدِّد أيام الخيار؛ ولكن لا بد أن تكون متوالية؛ يوم، أو يومين، أو ثلاثة متوالية، ما يصح الانقطاع فيها.
يقول: لي ولك الخيار مدة، وراحوا. الخيار باطل هذا! قال: أنا ما عاد أريد، قال له: خلاص المدة انتهت، قال: لا ما انتهت المدة. والمدة غير معينة ولا نعرفها؟ قل له: الخيار كله من أصله باطل، لأن اشتراطه لا بد أن يكون بمدة معلومة.
هي ثلاثة أيام متوالية متصلة، لكن ما هي من اليوم، اليوم الاثنين تبايعنا وإياك، لنا خيار ثلاثة أيام جمعة وسبت وأحد، ثلاثاء أربعاء ماشي؛ لا بد تكون متوالية في حد ذاتها ومتصلة بالعقد. من حين العقد ثلاثة أيام متصلة بالعقد.
فإذا باعه فاكهة ناضجة جداً في خلال يومين تخرب، وقال شرط خيار ثلاثة أيام. كيف؟! ستخرب من نفسها! بجيبها بعدين خربانة لا بد أن تكون المدة يُؤمن فيها فساد البضاعة وألا تتغير في خلال الأيام.
ولا باعه أكل مطبوخ وقال الخيار ثلاثة أيام؛ أكل مع خيار ثلاثة أيام؟ تحطه في الفريزر تجيبه لي بعدين مبرد! لا بد مدة ما يتغير فيها ساعتين، ثلاث ساعات، لا تأكله، اصبر ساعتين ثلاث ساعات إذا عندك نية لإرجاعه، ردّه؛ أما مدة يتخرّب فيها فلا يصح، لا بد أن تكون المدة يُؤمن فيها فساد المبيع مدة الخيار.
هذا الخيار الثاني وهو خيار الشرط، والأول خيار المجلس والثاني خيار الشرط.
3. وهذا الثالث: خيار العيب:
وكذلك عليه الأئمة خيار العيب: فإذا وجد بالمبيع عيباً وكان من قبل القبض، جاز له أن يرده إلى مَن اشتراه منه ويقول: هذا العيب الفلاني مِن كل ما يُنقص الثمن، ويُنقص القيمة، ويُنقص القَدر؛ فحينئذ يجوز له رده؛ لأنه كتم عنه هذا العيب؛ بشرط:
فإذا حدث عنده عيب بعد القبض وبعد ذلك اكتشف عيباً قديماً من قبل القبض، فهل له أن يرده؟
وكذلك إذا باع المشتري، فردَّه له المشتري الثاني بعيب، فاكتشف أن هذا العيب منه من قبل من عند الأول.
هذا خيار العيب. من باع معيباً تنقص به القيمة فاكتشفه، فيجوز له أن يرده بسبب ظهور العيب فيه، "منْ كلِّ ما ينقُصُ العينَ أو القيمةَ نقصًا يفوتُ بهِ غرضٌ صحيحٌ، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ".
فإن اشترى منه مثلاً رأس غنم بعدين وجده مقطوع بعض الأُذن:
لكن إذا كان النقص الموجود يفوت به غرض صحيح، فيجوز الرد بذلك، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ".
"ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا"، أول ما يكتشف المبيع.
فإذا اكتشف العيب بالمبيع وقال: أرده وقت ثاني، يقول: فاتك الخيار والرد.
وقال: "أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا"، وإذا يمشي في الطريق وحصّل أحد ممن يمشي يقول: اسمع، شوف هذه بضاعة اشتريتها مثلاً وحصلت فيها عيب واشهدك إني أرده، "وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ" حتى لا يفوت المباشرة بالرد عليه.
"وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ"؛ فلو كانت مثلاً دابة أو تليفون حصّل به عيب، قال بردُّه عليه وهو يستعمله في الطريق وقاعد يتصل به! انا اشتريته الآن وبعدين ارده له:
وإلا يركب على الدابة ويردها على الرجال! يقول أنت جئت راكبا عليها؟ كيف تركبها بعد ما شفت العيب فيها؟ قُدها إذا كان يمكن ردها من دون الركوب.
لكن بعضها مشكلة مثل الدراجة أو السيارة، لا ترجع وحدها: لابد يركبها، سيضطر يركبها؛ فلا بأس يركبها بمقدار الضرورة والحاجة. والا كيف يجيب الونش يشيلها ويرسلها لعنده، قالوا: فيجوز له.
"ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا، وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ إنْ لَقِيَ عدلاً، وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ، وإلَّا .. فلا رَدَّ".
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
فائدةٌ
"منَ البيوعِ المنهِيِّ عنْها: البيعُ على بيعِ أخيْهِ، والشراءُ علي شراء أخيْهِ، والسومُ على سوم أخيه، والنجشُ، والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا حتَّى يميز".
البيع على بيع أخيْهِ؛ هوَ: أنْ يأمُرَ المشترِيَ بالفسخِ ليبيعَهُ مثلَ المبيع بأقلَّ منَ الثَّمَنِ، أو أَحْسَنَ منَ المبيعِ بمثلِ التَّمَنِ.
الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ؛ هوَ: أنْ يأمُرَ البائعَ بالفسخِ ليشترِيَ منْه بأكثرَ منَ الثَّمَنِ.
السَّومُْ على سومِ أخيهِ؛ هوَ: الزِّيادةُ في السِّلعةِ بعدَ استقرارِ الثَّمَنِ وقبلَ التَّمِلِيكِ.
النَّجَشُ: هوَ الزِّيادَةُ في السِّلعةِ منْ غيرِ رغبةِ فيْها بلْ لِيَغُرَّ غِيرَهُ.
هذه من جملة "البيوعِ المنهِيِّ عنْها" في الحديث الشريف والسنة الغراء؛ فهي حرام لا يجوز التعامل بها.
يقول: "منَ البيوعِ المنهِيِّ عنْها: البيعُ على بيعِ أخيْهِ" لقوله ﷺ: "لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أَخِيهِ، ولا يَسُومُ على سَوْمِ أَخِيهِ" "والشراءُ علي شراء أخيْهِ والسومُ على سوم أخيه" كله من المنهي عنه "والنجشُ" سيفسرها كل هذه.
كذلك "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا":
أما "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا"؛ فبالنص: ممنوع ومحرم "حتَّى يميز"؛ يبلغ سن التمييز؛ ما يبيع الجارية وحدها دون ولدها، ولا الولد وحده دون أمه. ولا يفرق بينهما "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا حتَّى يميز".
أن يعلم أن واحداً مشتري جاء يشتري بضاعة من واحد، فاتفقوا أن يبيعوا هذه البضاعة بكذا كذا. هذا معه بضاعة مثلها أو أحسن منها، يجي لعند المشتري يقول: اسمع، أحسن من هذه البضاعة بنفس الثمن اعطيك اياها عندي.. افسخ هذا البيع:
يقول: افسخ البيع وأنا أعطيك بضاعة أحسن منها، أو مثلها بأقل من هذا الثمن، هذا زاد عليك في الثمن أنا أبيعك مثل هذه البضاعة بثمن أقل.
"يأمُرَ البائعَ بالفسخِ ليشترِيَ منْه بأكثرَ منَ الثَّمَنِ"، يقول له: بعته على هذا؟ أنا بشتري منك بألفين، أو تبيعه بألف وخمسمائة، أنا أعطيك ألفين، افسخ البيع أعطيك ألفين. فهذا لا يجوز "الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ"، يشتري بدل الثاني لأنه بيدفع ثمناً أكثر! إذا قد اتفقوا على البيع بهذا الثمن فلا دخل لك أنت أن تبذل ثمناً بزيادة وتأخذ البضاعة أنت، فهذا هو "الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ".
"هوَ: الزِّيادةُ في السِّلعةِ بعدَ استقرارِ الثَّمَنِ وقبلَ التَّمِلِيكِ".
هذاك البيع والشراء بعد التمليك، يأمر بالفسخ.
لكن هذا بعده ما تملّك، إلا إذا استقر الثمن بينهم وتراضوا؛ فقبل ذلك:
سوم على سوم أخيه ممنوع.
كذلك جاء النهي في الخِطبة على خطبة أخيه:
يعرضون سلعة للبيع، ومن يشتريها يطرح من عنده فيها ثمناً كبيراً وما نيته يشتري إلا من شأن الناس الثانيين يرغبون فيها ويبذلون هذا الثمن؛ سواء كان باتفاق مع البائع أو من غير اتفاق هذا لا يجوز.
لا يجوز له أن يطرح لها ثمناً يقول: أنا بشتريها بكذا كذا؛ كذب، وما نيته أن يشتريها، فهذا النجش.
فهذا هو النجش كله محرم في الشرع المصون.
كما جاء النهي:
قبل أن يدخلوا بالبضاعة يخرج لهم إلى خارج البلد، ويتلقّاهم ولا يدرون بسعر البلد، فيشتري منهم، فنهى عن تلقي الركبان.
بأن يأمره أن يخلّف السلعة عنده ليبيعها بثمن أكثر في المستقبل، بل بحسب سعر السوق.
وعلى هذا إذا تلقّى الركبان واشترى منهم بأرخص من سعر السوق، فإذا دخلوا السوق فرأوا السعر أكثر فلهم الخيار أن يستردّوا بضاعتهم:
إلى غير ذلك مما جاء؛ وأكبر ما نُهِيَ عنه الربا.
وقال في الحديث:
فأنواع الربا أيضاً من أكثر ما حُرِّم؛ بل جاء التهديد في الكتاب العزيز بالحرب لأهله، قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة:278-279] والعياذ بالله تعالى.
فالربا بأنواعه وأصنافه، واختلف الأئمة الأربعة في علة الربا:
فلا يصح بيع النقد بالنقد والمطعوم بالمطعوم إلا مثلاً بمثل إن كان من جنسه، وإلا مُنجَزًا في الوقت "هاء بهاء، يداً بيد"، لا يكون مؤجلاً أحدهما ويستلمان ويتقابضان في المجلس إن كان المبيع نقدًا بنقد أو طعامًا بطعام.
ثم اختلفوا بعد ذلك في مسائل تتعلق ببيع اللحم بالحيوان أو الحيوان بالحيوان، ومنهم من منع ذلك. فترجع كلها بعد ذلك إلى شبهة الخلاف.
"فمَنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ -وقع في الحرام- كَراعٍ يَرعى حَولَ الحِمى، يوشِكُ أن يواقِعَه"، والله أعلم.
رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
عاشق النبي يصلِّ عليه، اللهم صل عليه وعلى آله.
يُحيي فينا سنته، يحيي فينا نهجه، يحيي فينا شريعته، يحيي فينا مسلكه، يجعلنا ممن يُحيي على أيديهم سنته وينشرها في الوجود. وأن الله يثبتنا على الوفاء بالعهود، وأن يقينا الأسواء والأدواء وكل بلوى في السر وفي النجوى، وأن يرخي علينا أسنى خِلَع التقوى ولا ينزعها عنا أبداً، أسنى خِلَع العافية الظاهرة والخافية ولا ينزعها عنا أبداً، ويتولى لنا ما تولى بخواص السعادة ها هنا وغداً، يكفينا شر جميع العدا. ويصلح أحوال المسلمين في المشارق والمغارب، يدفع عنا وعنهم جميع المصائب. يغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا وذوي الحقوق علينا، ويجمعنا بهم في دار الكرامة وهو راضٍ عنا، ويصلح أحوال المسلمين أجمعين.
وإلى حضرة النبي محمد
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم
الفاتحة
28 مُحرَّم 1448