للاستماع إلى الدرس

الدرس التاسع عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

ظهر الإثنين 28 محرم 1448هـ

لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا

يتضمن الدرس:

  • تعريف البيع وحكمة مشروعيته
  •  أركان البيع الإجمالية والتفصيلية
  •  بيان التراضي المعتبر وحكم بيع المعاطاة
  •  هدي النبي ﷺ في تنظيم الأسواق ومراقبتها
  •  شروط العاقدين (البائع والمشتري)
  •  شروط المعقود عليه (الثمن والمثمن)
  •  خيار الشرط وضوابطه الزمنية
  •  خيار العيب وأحكام الرد الفوري ومسقطاته
  •  السوم على سوم الأخ والخطبة على خطبة الأخ
  •  النجش والصور المحرمة منه
  •  النهي عن تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي
  •  تحذير من الربا ومفاسده
  •  اختلاف الأئمة في علة الربا والأخذ بالاحتياط

نص الدرس مكتوب:


بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:

كتابُ البيعِ

"البيعُ لغَةً: مقابلةُ شيءٌ بشَيءُ على جهةِ المعاوضةِ .

وشرعًا: عقدُ معاوضَةٍ محْضةٍ يقتضِي ملكَ عينٍ أو منْفَعةٍ على التأبيد.

أركانُهُ ثلاثةٌ إجمالاً وهي: عاقدٌ، ومعقودٌ عليْه، وصيغةٌ.

وستَةٌ تفصيلاً: بائعٌ، ومشترٍ، وثمنٌ، ومُثْمَنٌ، وإيجابٌ، وقبولُ.

 

شروطُ العاقدَيْنِ

شروطُ العاقدَينِ أربعةٌ: 

  1. أنْ يكونَا بالغينِ.
  2. عاقلينِ.
  3. رشيدينِ.
  4. مختارين.

شروطُ المعقودِ عليْه: 

  1. أنْ يكونَ طاهراً.
  2. مُنْتَفَعًا بِهِ.
  3. مقدورًا على تسليمِهِ.
  4. وأنْ يكونَ مملوكًا للعاقدينِ أو لهما ولايةٌ أو وكالةٌ عليه.
  5. وأن يكونَ معلوما للعاقدينِ عيناً وقدراً وصفة".

 

بسم الله، الحمد لله الذي بيَّن الحلال والحرام، وأبان على لسان نبيه الأحكام، اللهم صلِّ وسلم على عبدك المختار خيرِ الأنام، مَن جعلته للأنبياء خير ختام، وعلى آله وصحبه الكرام، ومن والاهم واتبعهم بإحسان إلى يوم القيام، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل المكانة لدى ذي الجلال والإكرام، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم والملائكة المُقرَّبين، وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

وأشار الشيخ في هذا إلى ما يتعلق بالبيع والشراء، وذلك فيما جعلَ الله من المعاملات بين الناس، وأشار إليها بقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [البقرة:275]. 

والبيعُ كما أشار أنه: 

  • في اللغة: مقابلةُ شيءٌ بشَيءُ على جهةِ المعاوضةِ.
  • وهو في الشرع: 
    • في نسخة ذكَر عندكم هذه: "عقدُ معاوضَةٍ محْضةٍ يقتضِي ملكَ عينٍ أو منْفَعةٍ على التأبيد"
    • وفي النسخة الأخرى ما ذكره الإمام أحمد بن عمر الشاطري في كتابه، يقول: "عقد مُعاوَضة مالية تفيد مُلك عين أو منفعة على التأبيد". 

 

"عقد مُعاوَضة مالية تفيد مُلك عين"

تنتقل السلعة من البائع إلى المشتري، والثمن من المُشتري إلى البائع؛ فيملكان ذلك: عين السلعة وعين الثمن. 

"أو منفعة على التأبيد"

فيما يُمثِّلونه في بيع الانتفاع بوضع الخشب على جدار مثلا وما أشبه ذلك. 

فما أفاد المنفعة على التأبيد أوانتقال المُلك فهو البيع بهذه المُعاوَضة. 

وسيأتي بعد ذلك ما يُفيد انتقال المُلك من غير المعاوضة من نذرٍ وهِبة وما إلى ذلك من الإرث وغيره مما يحصل بانتقال الملك من غير عقدِ مُعاوَضة مالية.

يقول: أركانه ثلاثةٌ إجمالاً: 

  1. عاقدٌ: وهما البائع والمشتري. 
  2. ومعقودٌ عليْه: وهما الثمن والمثمن. 
  3. وصيغةٌ: وهي الإيجاب والقبول. 

فكانت الإيجاب والقبول هذه الصيغة التي يذكرها الأئمة في صحة البيع؛ لأنها دليل التراضي: 

  • لقوله سبحانه وتعالى: (أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ) [النساء:29]. 
  • وقوله ﷺ: " إنما البيعُ عن تراضٍ". 

فكيف يُعبَّر بالتراضي إلا بمثل الايجاب والقبول. 

ومابين مُشدّدٍ بعد ذلك في الايجاب والقَبول وصيَغِه وما بين متساهل؛ وكان يميل الشيخ الشوكاني وغيره من الأئمة أنه: 

  • إذا تم التَّراضي الكامل بين الطرفين ولم يكن في ذلك شيء من المَنهي عنه؛ فقد صحَّ الأمر وإن لم يتكلم أحدهما بكلمة، اذا تبادلا الأمر. 
  • وهذا الذي يُسمُّونه الشافعية وغيرهم: بيع المُعاطاة، يبذل ثمن ويأخذ المُثمَن ويمشيان من دون صيغ البيع والشراء. 
  • ولكن تفنّن الفقهاء بعد ذلك في الصيغة التي تكون للعقد من الإيجاب والقبول .

يقول: هذه الثلاثة تتحول الى ستة عند التفصيل؛ لأن كل واحد منهما يشتمل على اثنين: 

  • فالعاقد: يشتمل على البائع والمشتري
  • والمعقود عليه: يشتمل على الثمن والمُثمَن
  • والصيغة: تشتمل على الإيجاب والقبول. 

فإن فصَّلت قلت: 

  • أركانه ستة: بائع ومشتري وثمن ومثمن وإيجاب وقبول. 

وإن أجملتَ قلت: 

  • أركانه ثلاثة: عاقدٌ ومعقودٌ عليهِ وصيغة. 

وكان مما اعتنى به ﷺ أول وصوله للمدينة:

  • ما يتعلق أيضاً بشأن البيع والشراء وما يدخل على المسلمين من محتاجاتهم في الحياة.
  • وحتى عيَّن لهم موقعاً للسوق في المدينة المنورة. ولم يكن لهم موقع، فاختار لهم موقعاً ومكاناً كما يسمونه باللهجة: موقع استراتيجي، يبيعون فيه ويشترون. 
  • وكانت الأسواق بيد اليهود، وقالوا: سوق بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير. فجعل للمسلمين سوقاً واختار لهم موقعاً بينهم حسناً، ثم بيَّن لهم الأحكام في البيع والشراء. 

وكان بنفسه ينزل إلى الأسواق ويدور وينظرُ ما يجري فيها على مقتضى الأحكام التي أوحِيَ إليه فيها:

  • حتى قال المشركون: (وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان:7]. 
  • وكان: "أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ مَرَّ على صُبرةِ طَعامٍ فأدخَلَ يَدَه فيها، فنالَت أصابِعُه بَلَلًا، فقال: ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ قال: أصابَتْه السَّماءُ -يعني: المطر- يا رَسولَ اللهِ، قال: أفَلا جَعَلتَه فوقَ الطَّعامِ كَي يَراه النَّاسُ، مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" .ﷺ. 

وكان يُراقب ويرعى قيام البيع والشراء على مُقتضى الشرع المصون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ إلى الحد الذي سمعتم فيه قول سيدنا عمر بن الخطاب: "من لم يتفقه في ديننا فلا يَبِع في سوقنا".

وهكذا يأتي بالشروط للعاقدَين البائع والمشتري. 

الشروط للعاقدين أربعة

  1. أن يكونا بالِغَين؛ البائع والمشتري؛ 
    • ومن الأئمة من قال: إنه ما اؤتمن فيه الولي على الصبي المميز يجوز أن يبيع عنه أو أن يشتري عنه. 
    • واشترط الشافعية لصحة العاقد أن يكون كل منهما بالغاً، أن يكونا بالِغَين. 
  2. أما عاقلين: فباتفاق الكل، فما يمكن أن يبيع ويشتري غير مميز كمجنون أو صبي غير مميز. 
  3. ومع ذلك يُشترط أن يكونا رشيدين، أي: غير مُبذِّرَين للمال بحيث لو حُجر على أحد منهما؛ فالمحجور عليه بسفَهٍ وتبذيرٍ للمال لا يصح أن يبيع ولا أن يشتري. 

ويُشترط أن يكونا بالغين، عاقلين، رشيدين، والرشيد: المُصلح لأمر دينه ودنياه؛ الذي لا يُبذِّر المال سفهاً. 

  1. ومُختَارين، فلا يصحُّ بالإكراه. وهذا أيضًا من المتفق عليه في الشروط، لا يصح البيع بإكراه، إنما البيع عن تراضٍ. 
    • قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء:29].

و شروط المعقودِ عليه؛ وهو الثمن والمُثمَن: 

1. أن يكون طاهراً

  • فلا يصحُّ بيع النجاسات، ولا أن يكون الثمن أو المُثمن خمراً ولا خنزيراً ولا شيئاً من النجاسات. 
  • بل لا بد أن يكون عِوَضاً صحيحاً، أن يكون طاهراً مُنتَفعاً به، يمكن الانتفاع به اﻻنتفاع المجزي المقصود، أن يكون طاهراً مُنتَفعاً به.

2. مقدوراً على تسليمه

فمن باع شيئاً وإن كان في ملكه ولكنه مأخوذ عليه بيد سلطان ظالم، أو بيد غاصب غصبه إياه، فقال له: هذا ما تبيعه عليّ؟، فقد يقول إنه معه فُرصة: أبيعه برخيص مادام ما هو تحت يده، ووقت ما يرجع بعدين بيكون لي. فقالوا: 

  • إن كان المشتري صاحب نفوذ يستطيع تخليص المبيع من يد الغاصب الظالم، فيصحّ البيع. 
  • وأما إن كان غير ذلك فلا؛ بل يبيع ما كان مقدوراً على تسليمه.

3. وأن يكون مملوكاً للعاقِدَين

  • كذلك ايضًا إذا عيّنَ الثمن فلا بد أن يكون مقدوراً على تسليمه.
  •  وكذلك من يبِع له طائراً في الهواء، يقول: أنا باصيد هذا بتشتري مني؟ روح أول اصطاده واجعله يدخل في ملكك! لا بد أن يكون مملوكاً للعاقدين. 
  • ويقول: إن أبي مريض، شائب، الآن بتشتري مني هذا إرث حقه؟ لا حول ولا قوة إلا بالله؛ خليه يموت أولاً، لا عاد تموت أنت قبله الآن؛ ربما يحضر أجلك قبله وتموت قبله! فما يصح بيع إلا ما كان داخلاً تحت المُلك. 

3. مملوكاً للعاقديْن أو لهما ولاية أو وكالة عليه

  • ولاية: إذا كان ملكاً مثل الطفل أو ملكاً للمجنون، فوليّه هو الذي يبيع عنه ويشتري لمصلحته. 
  • أو وكَّله صاحب البضاعة أو صاحب الثمن أن يشتري له أو يبيع له، فحينئذ يكون الوكيل يقوم مقام المُوكِّل. 

4. وأن يكون معلوماً للعاقدين عيناً وقدراً وصفة

يكون معلوماً بالعَين والقَدر والصفة حتى لا يكون فيه الغرَر والجهالة والضرر. وعلى كلٍ: 

  • أخذوا من النصوص ما يُفيد أنه: 
    • يجب البُعد عن الغرَر وﻻ ضرَر وﻻ ضِّرار. 
    • وأن ما نصَّ النهيُ على تحريمه فهو مَنهيٌّ عنه، فلا يصحُّ فيه البيع. 
  • واختلفوا في ما يحرم فيه البيع؛ بعضه مع النفوذ وبعضه لا ينفذ. 
    • فاختلفوا في نفوذ البيع عند النداء الثاني للجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) [الجمعة:9]؛ فاتفقوا على أنه حرام. 
    • واختلفوا هل ينفُذ أو لا ينفُذ أو هو باطلٌ مِن أصله؟ وهكذا من البيوع المَنهي عنها ما ينفذ ومنها ما لا يصح أصلاً ولا يقع كما هو مبين في أنواعها وأصنافها.

فهذا مختصرٌ عما يتعلَّق بالبيع؛ لأن "الزُبَد" و"السفينة" في كتاب العبادات ليس فيها شيء في ربع المعاملات، إلا ما كان في "المختصر" في آخره، ذكر فُصولاً في البيع والشراء ذكرها في آخره في فصلين ولهذا تعرض لها في الفوائد. 

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

الخِيَار 

 

"الخيارُ ثلاثةُ أقسامٍ:

خيارُ مجلسٍ ، وخيارُ شرط ، وخيارُ عيبٍ .

  1. فَخيارُ المجلسِ يَثبتُ في جميعٍ أصنافِ البيعِ، ولا ينقطعُ إلا بالتخاير أو بالتفرُّقِ بأبدانِهِما.
  2. وخيارُ الشرطِ: يجوزٌ للمتعاقدَينِ أو لأحدِهِما شرطُ الخيارِ ثلاثةَ أيامِ فَما دونها، ويشْتَرَطُ: أنْ يذكرَ المدَّة، وأن تكونَ متواليةٌ، وكونُها معلومَةٌ، ومتَّصلَةً بالعقدِ، وأنْ يأمَنَ فسادَ المبيعِ مدَّةَ الخيارِ .
  3. وخيارُ العيبِ: يَثبتُ إذا ظَهَرَ بالمبيعِ عيبٌ كانَ منْ قَبْلِ القبضِ؛ منْ كلِّ ما ينقُصُ العينَ أو القيمةَ نقصًا يفوتُ بهِ غرضٌ صحيحٌ، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ.

ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا، وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ إنْ لَقِيَ عدلاً، وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ، وإلَّا .. فلا رَدَّ".

 

يقول: "الخِيار" في البيع وفي الشراء يكون إما لأجل المجلس؛ أي هما لا زالا في المجلس الذي تعاقدا فيه لم يتفرقا ولم ينصرف أحدهما عن الآخر. فجاء في ذلك الحديث في قوله ﷺ: "البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما": 

  • يكون إذا كتم أحد منهما عيباً إما في الثمن وإما في السلعة: 
    • كتما أو كذَبا فترتفع عنهما بركة البيع والشراء ولا يبارك لهذا ولا لهذا. 
  • وإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما وشرائهما.

1خيارُ المجلس أي: ما داما في المجلس فلكل منهما أن يَرجع، فيقول: ما عاد أريد أشتري، ويقول هذاك: خلاص أنا ما عاد أريد أبيع عليك، فله حق الخِيار ما داما في المجلس لم يتفرقا بعد. 

  • "فَخيارُ المجلسِ يَثبتُ في جميعٍ أصنافِ البيعِ، ولا ينقطعُ إلا بالتخاير"، كيف "بالتخاير"؟ 
    • أن يقولا: "اخترنا لزوم البيع". فإن اختارا كلاهما لزِم كلاهما وانتفى عنهما خيار المجلس، يقول: "لزِمنا، اخترنا لزوم البيع". 
    • فإن اختاره أحدهما انقطع الخيار عنه، وبقي الخيار للآخر ما داموا في المجلس، سواء كان البائع أو المشتري. إذا واحد منهما اختار اللزوم سقط خياره وبقيَ الخيار للثاني، وإذا جميعًا اختارا لزوم البيع انقطع عنهما خيارُ المجلس. 

إذا اشترى من أحدهم بضاعة ويجي يجلس يتكلم معه وخاف أن ينقلب عليه، يقول له: اسمع؛ أول سنختار لزوم البيع، ويحتار لزوم البيع وبعدها يجلس معه ويتكلم لما تشبع؛ وماعاد له حق الرجوع في خيار المجلس. 

  • فخيار المجلس "بالتخاير أو بالتفرُّقِ بأبدانِهِم":
    • يمضي هذا ويمضي هذا؛ فإن كان في دكان اشترى منه -محل للتجارة- بخروجه من المحل؛ يمسك البضاعة وخرج  من المحل خلاص حصل التفرق. إذا رجع يتكلم معه ما عاد عليه شيء، ولا يلزم لأحد منهما ولا يحق الخيار؛ لأنه قد حصل التفرُّق. فينتهي خيار المجلس بالتفرق بأبدانهما. 
    • وإذا كانا في الشارع كلاهما يتبايعون في الشارع، إذا أدبر أحدهما عن الآخر وخطا خطوات حصل التفرق وانتهى خيار المجلس. 

فهذا خيار المجلس: ما داما في مجلس البيع والشراء فلكل منهما أن يختار إلا أن يُسقِط حقه. فهذا الذي أشار بقوله:

  •  "ولا ينقطعُ إلا بالتخاير"
  • أو أن ينتهي المجلس بالتفرق بينهما "بالتفرُّقِ -بينهما- بأبدانِهِم".

 

2. "وخيار الشرطيجوزٌ للمتعاقدَينِ أو لأحدِهِما شرطُ الخيارِ"، يجوز شرط الخيار: 

  • أن يشترطه البائع لنفسه. 
  • أو المشتري لنفسه. 
  • أو يشترطه كل منهما. 

ولكن لمدة ثلاثة أيام أو أقل؛ وكذلك: 

  • قال الإمام أبو حنيفة وصاحباه: يمكن الزيادة على ثلاثة أيام إذا كانت المدة معلومة. 
    • ولكن طول المدة هذا يؤدي إلى كثير من الآفات؛ إما من استعمال أو من وجود إهلاك وما إلى ذلك. 
  • فالتزم جمهور الفقهاء بما جاء في الثلاثة أيام فأقل، يوم أو يومين، أو ثلاثة أيام؛ ولا يصح شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام عند الجمهور. 
  • وقال بعض الأئمة كالصاحبين لِأبي حنيفة: يجوز وإن زاد على هذه المدة إذا كانت معلومة معينة.

 

  • "ويشْتَرَطُ أنْ يذكرَ المدَّة وأن تكونَ متواليةٌ"

يقول: نعم ثلاثة أيام، بس اليوم واحد منها، بكرة بعد بكرة ماشي، يوم الاثنين لنا الخيار ثلاثاء وأربعاء ماشي، الخميس لنا خيار جمعة سبت ماشي، أحد خيار! ما له معنى هذا؟ يمدِّد أيام الخيار؛ ولكن لا بد أن تكون متوالية؛ يوم، أو يومين، أو ثلاثة متوالية، ما يصح الانقطاع فيها. 

  • "وكونُها معلومَةٌ": 

يقول: لي ولك الخيار مدة، وراحوا. الخيار باطل هذا! قال: أنا ما عاد أريد، قال له: خلاص المدة انتهت، قال: لا ما انتهت المدة. والمدة غير معينة ولا نعرفها؟ قل له: الخيار كله من أصله باطل، لأن اشتراطه لا بد أن يكون بمدة معلومة.

  • " ومتَّصلَةً بالعقدِ"

هي ثلاثة أيام متوالية متصلة، لكن ما هي من اليوم، اليوم الاثنين تبايعنا وإياك، لنا خيار ثلاثة أيام جمعة وسبت وأحد، ثلاثاء أربعاء ماشي؛ لا بد تكون متوالية في حد ذاتها ومتصلة بالعقد. من حين العقد ثلاثة أيام متصلة بالعقد.

  • "وأنْ يأمَنَ فسادَ المبيعِ مدَّةَ الخيارِ": 

فإذا باعه فاكهة ناضجة جداً في خلال يومين تخرب، وقال شرط خيار ثلاثة أيام. كيف؟! ستخرب من نفسها! بجيبها بعدين خربانة لا بد أن تكون المدة يُؤمن فيها فساد البضاعة وألا تتغير في خلال الأيام. 

ولا باعه أكل مطبوخ وقال الخيار ثلاثة أيام؛ أكل مع خيار ثلاثة أيام؟ تحطه في الفريزر تجيبه لي بعدين مبرد! لا بد مدة ما يتغير فيها ساعتين، ثلاث ساعات، لا تأكله، اصبر ساعتين ثلاث ساعات إذا عندك نية لإرجاعه، ردّه؛ أما مدة يتخرّب فيها فلا يصح، لا بد أن تكون المدة يُؤمن فيها فساد المبيع مدة الخيار.

هذا الخيار الثاني وهو خيار الشرط، والأول خيار المجلس والثاني خيار الشرط. 

3. وهذا الثالث: خيار العيب

وكذلك عليه الأئمة خيار العيب: فإذا وجد بالمبيع عيباً وكان من قبل القبض، جاز له أن يرده إلى مَن اشتراه منه ويقول: هذا العيب الفلاني مِن كل ما يُنقص الثمن، ويُنقص القيمة، ويُنقص القَدر؛ فحينئذ يجوز له رده؛ لأنه كتم عنه هذا العيب؛ بشرط:

  •  أن يكون قد كان موجوداً قبل القَبض. 
  • أما إن كان بعد القبض حدث عيب فلا يرده. 

فإذا حدث عنده عيب بعد القبض وبعد ذلك اكتشف عيباً قديماً من قبل القبض، فهل له أن يرده؟ 

  • يقول: يرده ويقول له عندك أنت حدث العيب الثاني هذا؛ إذا حدث عنده عيب ثم اكتشف وأراد رده بالعيب الأول فلا يلزم المشتري أن يرد؛ لأنه حدث عيب ثاني عنده، إلا أن يخرج مقدار القيمة. 
  • وحتى عندهم الحنفية ما يجوز إذا أراد أن يستمر في البيع؛ إذا وجد في المبيع عيباً من قبل القبض فأراد أن يستمر، يقول: بس تحط لي أرش -بدل مالي- مقدار النقصان في المبيع فلا يصح، إما أن ترده له أو تقبله بعيبه، وإلا ترده يبطل البيع. 
  • لكن في مثل هذه الحالة: يجوز أن يسترد منه مقدار العيب؛ لأنه حدث عيب عند ذا وعيب سابق واكتشفه من عند الأول. 

وكذلك إذا باع المشتري، فردَّه له المشتري الثاني بعيب، فاكتشف أن هذا العيب منه من قبل من عند الأول. 

  • فإن كان قد اطلع عليه المشتري الأول فلا حق له أن يعيده إلى الأول، بل يأخذه وعليه أن يسترده من هذا ولا حق له أن يعيده إلى الأول؛ لأنه قد اطلع عليه. 
  • فإن كان لم يطلع عليه ولم يدرِ به الا بعد أن باعه فقال: لم أكن أعرف أن هذا العيب فيه: 
    • فيجوز للمشتري الأول أن يرده، والمشتري الثاني يرده على البائع، المشتري الأول يرده على البائع الأول. 
    • والحنفية قالوا: إن كان رده الثاني عن طريق القاضي فله الرد على الأول وإلا فلا.

هذا خيار العيب. من باع معيباً تنقص به القيمة فاكتشفه، فيجوز له أن يرده بسبب ظهور العيب فيه، "منْ كلِّ ما ينقُصُ العينَ أو القيمةَ نقصًا يفوتُ بهِ غرضٌ صحيحٌ، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ".

فإن اشترى منه مثلاً رأس غنم بعدين وجده مقطوع بعض الأُذن: 

  • إن كان قصده الأضحية -اشترى على أن يضحي- فيجوز له الرد؛ لأن هذا عيب يفوت به غرض صحيح وهو الأضحية. 
  • أما لو كان قصده عنده زواج يذبحه أو عنده عزومة، فقال: انظرهذا فيه الأذن مقطوع، ماذا ينقص به؟ لا نقص به العيْن ولا نقص به القيمة. 

لكن إذا كان النقص الموجود يفوت به غرض صحيح، فيجوز الرد بذلك، فيجوزُ للمشترِي حينئذٍ ردُّ المبيعِ".

"ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا"، أول ما يكتشف المبيع.

فإذا اكتشف العيب بالمبيع وقال: أرده وقت ثاني، يقول: فاتك الخيار والرد. 

  • لكن إذا كان في وقت يُعتاد الإرجاع فيه: 
  • فإذا اكتشفه في الليل والناس نيام؛ في الصباح أو ففي الوقت الذي يعتاد الناس يفتحون يمشي يرده إليه. 
  • وأما تأخيره من غير عذر يُفوّت عليه حق الرد. 

وقال: "أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا"، وإذا يمشي في الطريق وحصّل أحد ممن يمشي يقول: اسمع، شوف هذه بضاعة اشتريتها مثلاً وحصلت فيها عيب واشهدك إني أرده، "وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ" حتى لا يفوت المباشرة بالرد عليه.

"وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ"؛ فلو كانت مثلاً دابة أو تليفون حصّل به عيب، قال بردُّه عليه وهو يستعمله في الطريق وقاعد يتصل به! انا اشتريته الآن وبعدين ارده له: 

  • استعملته بعد العيب فلا خيار لك لقد انتهت المسألة؛ لأن استعمالك معناه رضيت به. 
  • وإلا كيف تستعمل حق الغير إذا أنت لست راضياً بالبيع؟ 

وإلا يركب على الدابة ويردها على الرجال! يقول أنت جئت راكبا عليها؟ كيف تركبها بعد ما شفت العيب فيها؟ قُدها إذا كان يمكن ردها من دون الركوب. 

لكن بعضها مشكلة مثل الدراجة أو السيارة، لا ترجع وحدها: لابد يركبها، سيضطر يركبها؛ فلا بأس يركبها بمقدار الضرورة والحاجة. والا كيف يجيب الونش يشيلها ويرسلها لعنده، قالوا: فيجوز له. 

"ويُشترَطُ: أَنْ يكونَ الرَّدُ فورًا، وأنْ يُشْهِدَ في طريقِهِ إنْ لَقِيَ عدلاً، وأن لا يستعمل المبيعَ بعدَ ظهورِ العيبِ، وإلَّا .. فلا رَدَّ".

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

فائدةٌ

"منَ البيوعِ المنهِيِّ عنْها: البيعُ على بيعِ أخيْهِ، والشراءُ علي شراء أخيْهِ، والسومُ على سوم أخيه، والنجشُ، والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا حتَّى يميز".

البيع على بيع أخيْهِ؛ هوَ: أنْ يأمُرَ المشترِيَ بالفسخِ ليبيعَهُ مثلَ المبيع بأقلَّ منَ الثَّمَنِ، أو أَحْسَنَ منَ المبيعِ بمثلِ التَّمَنِ.

الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ؛ هوَ: أنْ يأمُرَ البائعَ بالفسخِ ليشترِيَ منْه بأكثرَ منَ الثَّمَنِ.

السَّومُْ على سومِ أخيهِ؛ هوَ: الزِّيادةُ في السِّلعةِ بعدَ استقرارِ الثَّمَنِ وقبلَ التَّمِلِيكِ.  

النَّجَشُ: هوَ الزِّيادَةُ في السِّلعةِ منْ غيرِ رغبةِ فيْها بلْ لِيَغُرَّ غِيرَهُ.

 

هذه من جملة "البيوعِ المنهِيِّ عنْها" في الحديث الشريف والسنة الغراء؛ فهي حرام لا يجوز التعامل بها. 

يقول: "منَ البيوعِ المنهِيِّ عنْها: البيعُ على بيعِ أخيْهِ" لقوله ﷺ: "لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أَخِيهِ، ولا يَسُومُ على سَوْمِ أَخِيهِ" "والشراءُ علي شراء أخيْهِ والسومُ على سوم أخيه"  كله من المنهي عنه "والنجشُ" سيفسرها كل هذه.

كذلك "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا":

  • أن يبيع جارية دون ولدها، وولدها يخليه عنده وهو دون التمييز؛ ما يجوز.
  • أو يبيع الولد دون الجارية ما يجوز. 
  • وكذلك كلامهم بعد ذلك إذا أراد بيع حيوان بعده يحتاج أن يرضع من أمه: 
    • ويبيع أمه وحدها أو يبيعه وحده، يبيعه وحده؛ لأن يذبح لأن كان من المأكولات في الوقت، أو يكون له من الغنم مثلاً أو البقر ما يرضِع هذا الرضيع. 
    • وإلا فإنه لا يُعرِّضه -على خلاف بين الأئمة- للهلاك.

أما "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا"؛ فبالنص: ممنوع ومحرم "حتَّى يميز"؛ يبلغ سن التمييز؛ ما يبيع الجارية وحدها دون ولدها، ولا الولد وحده دون أمه. ولا يفرق بينهما "والتفريقُ بينَ الجاريةِ وولدِهَا حتَّى يميز".

  • "البيعُ على بيعِ أخيْهِ" قال معناه: 

أن يعلم أن واحداً مشتري جاء يشتري بضاعة من واحد، فاتفقوا أن يبيعوا هذه البضاعة بكذا كذا. هذا معه بضاعة مثلها أو أحسن منها، يجي لعند المشتري يقول: اسمع، أحسن من هذه البضاعة بنفس الثمن اعطيك اياها عندي.. افسخ هذا البيع: 

  • سواء كانا لم يتبايعا بعد. 
  • أو كان البيع في خيار مدة يوم. 

يقول: افسخ البيع وأنا أعطيك بضاعة أحسن منها، أو مثلها بأقل من هذا الثمن، هذا زاد عليك في الثمن أنا أبيعك مثل هذه البضاعة بثمن أقل. 

  • فهذا بيع على بيع أخيه محرَّم، إذا تراضَوا واتفقوا انتهت المسألة. 
  • أما إن كان أحدهما مغبونًا فنصحه من دون أن يبيعه مقابله فلا إشكال في ذلك. 
  • وأما أن يأمره بالفسخ ليبيعه عليه فهو بيع على بيع أخيه.

 

  • كذلك "الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ": كيف العمل؟ 

"يأمُرَ البائعَ بالفسخِ ليشترِيَ منْه بأكثرَ منَ الثَّمَنِ"، يقول له: بعته على هذا؟ أنا بشتري منك بألفين، أو تبيعه بألف وخمسمائة، أنا أعطيك ألفين، افسخ البيع أعطيك ألفين. فهذا لا يجوز "الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ"، يشتري بدل الثاني لأنه بيدفع ثمناً أكثر! إذا قد اتفقوا على البيع بهذا الثمن فلا دخل لك أنت أن تبذل ثمناً بزيادة وتأخذ البضاعة أنت، فهذا هو "الشِّراءُ على شراءِ أخيهِ".

 

  • كما أن "السَّومُْ على سومِ أخيهِ"؛ 

"هوَ: الزِّيادةُ في السِّلعةِ بعدَ استقرارِ الثَّمَنِ وقبلَ التَّمِلِيكِ".  

هذاك البيع والشراء بعد التمليك، يأمر بالفسخ. 

لكن هذا بعده ما تملّك، إلا إذا استقر الثمن بينهم وتراضوا؛ فقبل ذلك: 

  • يدخل هو في الخط يقول: أنا أبيعك أحسن من هذا. 
  • أو يدخل في الشراء يقول: أنا أشتري منك بأكثر من هذا الثمن. 

سوم على سوم أخيه ممنوع. 

  • فأما إذا قد استقر الثمن وقد تملكه؛ ولكن عندهم خيار أو إمكان الفسخ؛ فهذا شراء على شراء أخيه، وبيع على بيع أخيه
  • أما إن كان في الاتفاق قبل أن يتملك هذا من هذا؛ فهذا سوم على سوم أخيه، لا زالوا في السوم قبل الاستقرار.

كذلك جاء النهي في الخِطبة على خطبة أخيه

  • إذا خطب أحد ابنة أحد من الناس، فيجي ثاني يخطبها، وهو يعلم أنها قد خُطبت وقد تراضوا بينهم. هذه الخطبة في المُعتمد: ما يجي فيها السوم على سوم أخيه. كيف؟ 
  • يعني إذا لم يقبلوا بعد ولم يردوا له الخبر بالقبول، يجوز للثاني أن يخطب وهم يتخيرون بين الأول والثاني والثالث. 
  • أما إذا قد وافقوا -وافقت المرأة أو وليها- على أنهم يزوجوه، فيجي واحد ثاني يخطب وهو داري أنهم قد وافقوا فحرام؛ يحرم عليه أن يخطب على خطبة أخيه.

 

  • "النَّجَشُ: هوَ الزِّيادَةُ في السِّلعةِ منْ غيرِ رغبةِ فيْها بلْ لِيَغُرَّ غِيرَهُ"

يعرضون سلعة للبيع، ومن يشتريها يطرح من عنده فيها ثمناً كبيراً وما نيته يشتري إلا من شأن الناس الثانيين يرغبون فيها ويبذلون هذا الثمن؛ سواء كان باتفاق مع البائع أو من غير اتفاق هذا لا يجوز. 

  • لا تطرح ثمناً إلا وأنت فعلاً تريد أن تشتريها بهذا الثمن، إذا قالوا لك خذها بتأخذها. 
  • وأما تحط الزيادة في الثمن من شأن تغُر الغير وتُغريهم؛ فلا يجوز، سواء اتفق مع البائع أو لم يتفق مع البائع. 

لا يجوز له أن يطرح لها ثمناً يقول: أنا بشتريها بكذا كذا؛ كذب، وما نيته أن يشتريها، فهذا النجش. 

  • يكون هذا في المعروضات العامة والتي يطرحونها للمزايدة فيها، يُحرِّجون بها: فيجي واحد يدخل يقول: هذا أنا بشتريها بكذا كذا؛ كذب ما قصده يشتريها ولكن ليغر غيره ليشتريها. 

فهذا هو النجش كله محرم في الشرع المصون.

كما جاء النهي: 

  • عن تلقّي الركبان: 

قبل أن يدخلوا بالبضاعة يخرج لهم إلى خارج البلد، ويتلقّاهم ولا يدرون بسعر البلد، فيشتري منهم، فنهى عن تلقي الركبان. 

  • وأن يبيع حاضر لبادٍ:

بأن يأمره أن يخلّف السلعة عنده ليبيعها بثمن أكثر في المستقبل، بل بحسب سعر السوق. 

وعلى هذا إذا تلقّى الركبان واشترى منهم بأرخص من سعر السوق، فإذا دخلوا السوق فرأوا السعر أكثر فلهم الخيار أن يستردّوا بضاعتهم:

  • فإما يشتريها بثمن المثل. 
  • وإما أن يردها لهم يبيعونها.

إلى غير ذلك مما جاء؛ وأكبر ما نُهِيَ عنه الربا. 

وقال في الحديث:

  • "الرِّبا بِضعةٌ وسِتونَ بابًا، والشركُ مثلُ ذلكَ"
  • "الرِّبا اثنان وسبعون بابًا أدناها -يعني في الإثم- مثلُ إتيانِ الرَّجلِ أمَّه، وإنَّ أربَى الرِّبا استطالةُ الرَّجلِ في عِرضِ أخيه". 

فأنواع الربا أيضاً من أكثر ما حُرِّم؛ بل جاء التهديد في الكتاب العزيز بالحرب لأهله، قوله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة:278-279] والعياذ بالله تعالى. 

فالربا بأنواعه وأصنافه، واختلف الأئمة الأربعة في علة الربا:

  •  قال الشافعية: هي الطعمية والنقدية، فكل نقد وكل طعم يكون فيه الربا. 
  • وقال بعض الأئمة الأربعة: هو الكيل والوزن، ما دخله كيل أو وزن، فيشمل حتى غير المطعوم والمنقود. 
  • وبعضهم جعله مخصوصاً في القوت، أن العلة في القوت -مايقتات- فما لا يُعد قوتاً: 
    • كمثل الفاكهة ومثل الدواء الذي يتناول على سبيل التداوي أو التفكه أنه لا يكون فيه الربا. 
  • ولكن قال الآخرون: كل كل مطعوم يأتي فيه الربا -كما يقول الشافعي- ولو للتفكه ولو للتداوي. كل مطعوم يأتي فيه الربا. 

فلا يصح بيع النقد بالنقد والمطعوم بالمطعوم إلا مثلاً بمثل إن كان من جنسه، وإلا مُنجَزًا في الوقت "هاء بهاء، يداً بيد"، لا يكون مؤجلاً أحدهما ويستلمان ويتقابضان في المجلس إن كان المبيع نقدًا بنقد أو طعامًا بطعام. 

ثم اختلفوا بعد ذلك في مسائل تتعلق ببيع اللحم بالحيوان أو الحيوان بالحيوان، ومنهم من منع ذلك. فترجع كلها بعد ذلك إلى شبهة الخلاف. 

"فمَنِ اتَّقى المُشَبَّهاتِ استَبرَأ لدينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ -وقع في الحرام- كَراعٍ يَرعى حَولَ الحِمى، يوشِكُ أن يواقِعَه"، والله أعلم. 

رزقنا الله الإنابة والخشية والاستقامة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

عاشق النبي يصلِّ عليه، اللهم صل عليه وعلى آله. 

يُحيي فينا سنته، يحيي فينا نهجه، يحيي فينا شريعته، يحيي فينا مسلكه، يجعلنا ممن يُحيي على أيديهم سنته وينشرها في الوجود. وأن الله يثبتنا على الوفاء بالعهود، وأن يقينا الأسواء والأدواء وكل بلوى في السر وفي النجوى، وأن يرخي علينا أسنى خِلَع التقوى ولا ينزعها عنا أبداً، أسنى خِلَع العافية الظاهرة والخافية ولا ينزعها عنا أبداً، ويتولى لنا ما تولى بخواص السعادة ها هنا وغداً، يكفينا شر جميع العدا. ويصلح أحوال المسلمين في المشارق والمغارب، يدفع عنا وعنهم جميع المصائب. يغفر لآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا وذوي الحقوق علينا، ويجمعنا بهم في دار الكرامة وهو راضٍ عنا، ويصلح أحوال المسلمين أجمعين. 

وإلى حضرة النبي محمد

اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه وسلم

 الفاتحة

تاريخ النشر الهجري

28 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

13 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام