الفوائد الثمينة - 16 | زكاة الفطر، وكتاب الصيام، وشروط وجوب الصوم وسننه

للاستماع إلى الدرس

الدرس السادس عشر للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448

ظهر السبت 26 محرم 1448هـ

لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا

يتضمن الدرس: 

  • زكاة الفطر وارتباطه بشهر رمضان
  •  حكم إخراج الزكاة عن القريب الكافر أو المملوك
  •  مناط وجوب الزكاة (إدراك جزء من رمضان وشوال)
  •  شروط وجوب الزكاة وتقدير القوت والنفقة
  •  شرح الأوقات الخمسة لزكاة الفطر
  •  مقدار الزكاة الواجب إخراجه من غالب قوت البلد
  •  ترتيب الأقوات المعتمدة في زكاة الفطر
  •  مقدار الصاع بالوزن والمقاييس المعاصرة
  •  تعريف الكتاب والباب والفصل والفرع والمسألة
  •  تعريف الصيام لغة وشرعاً
  •  شروط وجوب صوم رمضان (استكمال شعبان ورؤية الهلال)
  •  الفرق بين عدل الشهادة وعدل الرواية
  •  الأيام الخمسة المحرم صيامها والأيام المكروهة
  •  سنن الصوم: تعجيل الفطر وتأخير السحور
  •  مبطلات أجر الصوم (الغيبة، النميمة، الكذب، النظرة، اليمين الكاذبة)
  •  سؤال: حكم نقل زكاة الفطر لخارج البلد
  •  سؤال: صيام شهرين متتابعين إذا صادف عيد

نص الدرس مكتوب:

 

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:

 

زكاةُ البدنِ

 

تجبُ زكاةُ البدنِ وتُسمَّىٰ زكاةَ الفطرِ على كلِّ مسلمٍ أدركَ جزءاً منْ رمضانَ وجزءاً منْ شوَّالٍ، ومَلَكَ ما يزيدُ عنْ قوتِ يومِ العيدِ وليلتِهِ المقبلَةِ، وعنْ مسكنه وثيابه ودَينِهِ، وعنْ قوتِ منْ تلزمُهُ نفقتُهُ ؛ كزوجةٍ وأصلٍ وفرع بشرطِهِ.

ويجبُ إخراجُها عنْ نفسِهِ وعمَّنْ تلزمُهُ نفقتُهُ.

 

أوقاتُ زكاةِ الفطرِ

لها خمسةُ أوقاتٍ:

وقتُ وجوبٍ: ويحصلُ بإدراكِ جزءٍ منْ رمضانَ وجزءٍ منْ شوَّالٍ.

ووقتُ جوازٍ وهوَ: إخراجُها منْ أوَّلِ رمضانَ .

ووقتُ فضيلةٍ وهوَ: إخراجُها يومَ العيدِ قبل صلاةِ العيدِ .

ووقتُ كراهةٍ وهوَ: إخراجُها بعدَ صلاةِ العيدِ وقبلَ الغروبِ .

ووقتُ حرمةٍ وهوَ: تأخيرُها عنْ يومِ العيدِ .

ويجبُ إخراجُها منْ غالبِ قوتِ البلدِ أو من قوتٍ أعلىٰ منْه، وقد نَظَمَ بعضُهم ترتيبَ الأقواتِ ورَمَزَ لها الأعلىٰ فالأعلىٰ بقولِهِ:

 

بِاللهِ سَلّ شَيْخَ ذِيْ رَمْزٍ حَكَىٰ مَثَلاً ***

(بر) (سلت) (شعير) (ذرة)

(رز) (حمص) (ماش)

 

عَنْ فَوْرِ تَرْكِ زَكَاةِ الفِطْرِ لَوْ جَهِلًا

(عدس) (فول) (تمر)

(زبيب) (أقط) (لبن) (جبن)

 

حُرُوْفُ أَوَّلِهَا جَاءَتْ مُرَتَّبَةً *** أَسْمَاءُ قُوْتِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لَوْ عَقَلًا

 

والقدرُ الواجبُ إخراجُهُ من ذلك عنْ كلِّ شخصٍ: أربعةُ أمدادٍ بمدٌ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليْهِ وآلِهِ وسلَّمَ .

ومنّ التَّمرِ المرزُومِ بِلا نَوى: أربع وثمانونَ أوقِيَّةَ، أو تسعونَ أوقيَّةً على جودَةِ التَّمرِ أو رداءَتِهِ".

 

الحمد لله المتكرم بالتشريع ليُقيم السُّلمَ للمكلفين إلى المقام الرفيع، وصلى الله وسلم على عبده الهادي الشفيع، صاحب الجاه الوسيع سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل محبة الله وقربه، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين، وعلى جميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

يتحدث المؤلف -عليه رحمة الله- في هذا عن زكاة البدن المسمى بزكاة الفطر،أي: الفطر من شهر رمضان، وبذلك جاء تعلُّقُ الزكاة بالفطر من رمضان: 

  • ونظَرَ الشافعية إلى أن الفطر هو فطر آخر يوم من أيام رمضان عند غروب الشمس، فجعل الأمر مُناطًا به، وزكاة الفطر، وعليه أيضا الجمهور، والأرجح عند المالكية وعند الحنابلة. 
  • وقال الحنفية كما هو في رواية أخرى عند الحنابلة والمالكية أنه: متعلق بالفجر -فجر يوم العيد- فإنها زكاة يوم الفطر ويوم الفطر يبدأ من الفجر، فجر يوم العيد، 

فيأتي تفصيل ذلك عند قولنا وقت وجوب:

  • زكاة الفطر واجبة. 
  • ووجبت كعموم الزكاة في شهر شعبان من السنة الثانية من هجرة نبينا ﷺ.

قال: "تجب زكاة البدن -وتسمى زكاة الفطر-: على كل مسلم أدرك جزءًا من رمضان وجزءًا من شوال". 

وكذلك عند الشافعية والمالكية تَلزَمُ القريبَ غير المسلم الذي يُنفق على المسلم؛ إن كان له أب مسلم والولد لا يزال كافرًا، وهو الذي ينفق على أبيه: 

  • فيدخل في النفقة أيضا الزكاة، يخرج الزكاة عن أبيه، فتكون الزكاة على المسلم. إلا ما كان من مثل هذه الاستثناءات عند بعض الأئمة الأربعة.

وكذلك لا تخرج الزكاة إلا عن المسلم، فمن كان معه مملوك مثلا، أو كان ولد أسلم ولم يسلم أبوه بعد وهو ينفق عليه: 

  • فلا يخرج الزكاة عن الكافر، أبوه كافر ينفق على والده نعم، لكن ما يخرج عنه زكاة الفطر، لأنه ليس أهلا للطهر بعد، ما تطهر. إنما الزكاة طُهْرة للصائم من الرَّفَث. 

وكذلك إن كان مملوكه كافرا: 

  • فلا يخرج الزكاة عن المملوك الكافر. 
  • فلا تُخرَج إلا عن المسلم، ولا يُخرجها إلا مسلم.

قال: "على كل مسلم أدرك جزءًا من رمضان وجزءًا من شوال،": 

هذا مَنَاطُ الوجوب عند الشافعية: 

  • أن يدرك جزءا من رمضان وجزءا من شوال؛ لأن زكاة الفطر من رمضان، والفطر من رمضان يكون بصيام آخر يوم من أيام رمضان، ويكون الفطر بغروب الشمس، فإنما يكون الصوم آخر اللحظات، والفطر أول لحظات ليلة العيد. 
  • وعلى هذا من أدرك لحظة من رمضان ولو دقائق، بأن وُلد آخر ساعة من رمضان قبل الغروب مثلا مولود، ثم غربت الشمس وهو حي، فصار على والده أن يُخرِج عنه زكاة الفطر؛ لأنه أدرك جزءا من رمضان وجزءا من شوال.

وقال الحنفية: 

  • إنما يكون الإدراك بالفجر:
    • فمن كان وُلِدَ قبل الفجر -حتى في أثناء الليل ليلة العيد مثلا- وطلع الفجر وهو موجود فعليه أن يُخرِج الزكاة.
    • أو أسلم في أثناء الليل مثلا وطلع الفجر، فهو ممن تلزمه الزكاة كذلك. 
  • أما من وُلِدَ بعد الفجر في يوم العيد أو أسلم بعد الفجر، فهذا بالاتفاق ما تلزمه زكاة الفطر. 

وأما ما كان قبل الفجر فعند الحنفية نعم، وعند غيرهم لابد من المغرب، أن يكون موجودا في وقت الغروب؛ ووقت غروب الشمس ووقت خروج رمضان ودخول أول ساعة من ساعات شوال.

قال: "ومَلَكَ ما يزيد عن قُوتِ يوم العيد وليلته المقبلة، وعن ثيابه ومسكنه ودَيْنِهِ،" إن كان عليه دين، "وعن قوت من تلزمه نفقته كزوجة وأصل وفرع" يعني: آباء وأمهات وأبناء وبنات "بشرطه": 

  • وهو بالنسبة للأصول: عدم الوجود -عدم وجودهم لشيء-.
  • وبالنسبة للفروع: عدم الوجود وعدم القدرة على الكسب. 

فإذا وُجِد ذلك فعليه أن يُخرِج النفقة عنهم كلهم. 

إذًا فمناط وجوب الزكاة: 

  • أن يجد ما يزيد عن قوت يوم العيد وليلته المقبلة. 
  • لماذا قال "المقبلة"؟ لأنهم إذا أطلقوا ليلة على أي يوم فالمراد بها الليلة التي قبله: 
    • وإذا قالوا ليلة الجمعة فمعناه مساء الخميس ليلة الجمعة. 
    • وإذا قالوا يوم الإثنين معناه مساء الأحد ليلة الاثنين.

"قُوتِ يوم العيد وليلته" ما أراد به الليلة الماضية التي هي أول ليلة من شوال، أراد قوت يوم العيد وليلته المقبلة، يعني الملتصقة به، وهي ليلة اليوم الثاني، فالعبرة بذلك.

قال: "وعن ثيابه ومسكنه ودَيْنِهِ" إن كان عليه دين حال.

"وعن قوت من تلزمه نفقته كزوجة وأصل وفرع بشروطه"، فهذا مناط الوجوب:

  • وقال الحنفية: إذا وجد زائدا على ذلك مقدار نصاب؛ وجبت عليه الزكاة: 
    • مقدار نصاب مثل ثلاثة دنانير فأكثر أو مائتين درهم، مقدار النصاب من الزكاة إذا وجد عنده. 
    • فعندهم الغنى معناه: وجود نصاب لديه يزيد عن قوته ومسكنه وما إلى ذلك. 

وإذا كان لا يوجد لديه ذلك، -ما في شيء زايد على هذا- ولكنه يستطيع أن يستدين ويرجو الوفاء بالدين من وجوه ظاهرة:

  • فقال الجمهور: لا يلزمه الاستدانة.. 
  • قال المالكية: نعم إذا كان يستطيع الاستدانة وعنده وجه ظاهر للقضاء فيستدين؛ لأنه قادر في الجملة، أصبح قادر في الجملة فيستدين من أجل أن يُخرِج الزكاة. 
  • والمراد أيضا عند الحنفية أن يكون عنده هذا المبلغ الذي هو النصاب: أي شيء كان ما هو شرط نقود، لا، أي شيء، ثياب أو أرض أو بيت أو أي شيء زائد على مسكنه وما إلى ذلك.. مقدار النصاب يلزمه إخراج الزكاة.

قال: "ويجب إخراجها عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته"، ومن وجبت عليه نفقته يجب عليه إخراج الزكاة عنه. 

واستثنى الشافعية من ذلك: زوجة الأب، والخادم للأب كذلك إذا كان الوالد يحتاج إليه، فيلزم الولد أن يخرج النفقة للوالد ولزوجة الوالد -يعني: غير أم الولد، زوجة الوالد- وخادم الوالد. 

فإذا جاء الفطر: 

  • الشافعية قالوا: يلزمه نفقتهم ولا يلزمه زكاتهم؛ نعم يلزمه زكاة أبيه، ولا يلزمه زكاة زوجة أبيه ولا زكاة خادم أبيه. 
  • ولكن قال الحنفية وغيرهم: نعم يلزمه أن يُخرِج الزكاة أيضا، كما يُخرِج النفقة يُخرِج الزكاة عن أبيه وعن زوجة أبيه، كما أنه ينفق عليها فيخرج الصدقة عنها صدقة الفطر "عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته".
  • فأما إذا كان ينفق على ابن كافر أو على مملوك كافر، فإنما تلزمه نفقته فقط ولا يلزمه الزكاة عنه؛ لأنه غير مسلم.

وكذلك الإخراج "عن نفسه وعمّن تلزمه نفقته"؛ لقول الصحابي -رضي الله عنه-: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو شعير أو بُرٍّ، على الحُرِّ والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير". 

  • فحتى لو فُرِضَ وُلِدَ مولودٌ قبيل الغروب ثم توفي بعد الغروب: وجبت زكاته عند الجمهور. 
  • الحنفية قالوا: ما أدرك الفجر فلا زكاة عليه. وإذا وُلدَ في أثناء الليل، قبل الفجر وطلع الفجر وهو مولود، فتلزمه الزكاة عند الحنفية. 
  • وقال الآخرون -على المعتمد عندهم-: هذا لم يدرك جزءا من رمضان ولم يدرك غروب الشمس ليلة الفطر، فلا زكاة عليه.

ثم ذكر: "أوقات زكاة الفطر" -بلغنا الله رمضان وأعاننا على الصيام والقيام وجعلنا من أهله-، 

يقول: "أوقات زكاة الفطر لها خمسة أوقات"١:

1. وقت وجوب": وهذا كما ذكرنا عند الشافعية: "ويحصل بإدراك جزء من رمضان وجزء من شوال"،  بذلك تصير الزكاة واجبة عليه. 

  • فمن توفي بعد غروب الشمس في ليلة العيد وجب عليه الزكاة فتُخرَج مِن تَرِكَتِهِ زكاة الفطر، فتكون من الديون المستقرة في ذمته، ودين الله أحق بالقضاء. 

قال: "2ووقت جواز"

  • يجوز أن يخرج الزكاة ويقدمها عند الشافعية، وهو ما أشار إليه بقوله: "وهو إخراجها من أول رمضان". 
  • وقال غيرهم: لا، بل لا بأس أن يتقدَّم العيد بيوم أو بيومين. 
  • وهكذ يقول الحنفية: بوقت يسير لا بأس. 
  • ويقول الحنابلة والمالكية: يوم أو يومين بس، أما قبل العيد يجوز يخرج الزكاة، من قبل ذلك لا. 

وذلك أن الشافعية راعوا أن وجوب الزكاة بإدراك: 

  • جزء من رمضان. 
  • وجزء من شوال. 

فكان لها سببان، فإدراك جزء من رمضان بأول رمضان، إذا أدرك رمضان حصل السبب الأول. 

  • وكل ما وجب بسببين يجوز تقديمه على أحد السببين، فهذا واحد من الأسباب قد حضر، فيجوز تقديم زكاة الفطر. 
  • فالأولى أن يخرجها قريبا من أيام العيد أو ليلة العيد؛ لتكون صحيحة بالاتفاق.

"3. ووقت فضيلة"، فهو الأفضل وهذا بالاتفاق: "وهو إخراجها يوم العيد قبل صلاة العيد"، هذا أفضل وقت بالاتفاق. ولكن ذلك صعب، فإذا تيسر إيصال شيء من زكاة الفطر في نفس اليوم قبل الصلاة بعد طلوع الفجر، فهو أولى، وهذا أفضل أوقات زكاة الفطر.

"4. ووقت كراهة: وهو إخراجها بعد صلاة العيد وقبل الغروب"، وهو تأخيرها عن صلاة العيد: 

  • فعند بعض الأئمة يحرم عليه تأخيرها عن صلاة العيد، ولكنه في نفس يوم العيد قبل الغروب.
  • فمعتمد الشافعية ومن وافقهم أنه: مكروه، ولا يقع في الإثم والحرام، ولكن ينبغي أن لا يحضر صلاة العيد إلا وقد أخرج زكاة الفطر عنه وعمن تلزمه.

"5. ووقت حرمة: وهو تأخيرها عن يوم العيد"، فيكون قضاءا بعد ذلك.

يقول: "ويجب إخراجها من غالب قوت البلد"، ما الذي يُقتات في أكثر السنة؟ أهل البلد يقتاتون ماذا في غالب سنتهم وغالب عامهم؟ 

  • "أو قوت أعلى منه"، وهذا حسب الترتيب الذي ذكره عند الشافعية. 
  • قال الحنابلة: إنما جاء النص في هذه الخمسة من التمر والأقط والزبيب والشعير فقط، هذه إذا هي موجودة ما يُجزئ غيرها: 
    • لابد تكون هذه المنصوص عليها، هي التي تُخرَج، إما بُر أو شعير أو زبيب أو أَقِط، فإذا وُجِدَت لا يُجزئ عنها غيرها، لابد تخرج منها. 
  • وعدَّ المالكية ثمانية أنواع من الحبوب قالوا هذه التي تُجزِئ فيها، يخرج الزكاة منها. 
  • وكذلك الحنفية ذكروا هذه الواردة في الحديث، ثم قوت أهل البلد، وأجازوا أيضا إخراج القيمة:
    • وهو عند الثلاثة لا يجزئ، لابد أن يكون طعاما. وقال الحنفية: يجوز أن يخرج قيمة ذلك.

قال: "أو قوت أعلى منه"، إن كان غالب قوت البلد على الترتيب واحد من هذه الأشياء التي ذكرها عندك في البيت هذا، من البُر والسَّلت والشعير والذرة والرز والحمص والدُّجُر والمَاشْ والعدس والفول والتمر والزبيب والأقط واللبن والجبن آخرها. 

  • إذا كان قوت أهل البلد أكثر السنة جبن يأكلون جبن، فيجوز أي واحد من هذا؛ لأنها كلها الباقي أفضل منه. 
  • فإذا كان أكثر قوتهم ليل ونهار في أكثر السنة لبن، كبعض البادية يعتمدون على اللبن؛ فحينئذ يصح اللبن ولا يصح الجبن، اللبن أو ما فوقه من بقية الأقوات التي ذكرها. 
  • وإذا كان قوتهم الأَقِطْ، والأقط هذا لبن مجفف غير منزوع الدسم، كانوا يسمونه عندنا قَثِي؛ هنا يستعملونه أيضا في المنسف عندهم يسمونه جميد. فإذا هو قوت البلد فلا يجزئ اللبن والجبن ولكن أقط أو ما فوقه. 

وهكذا على حسب الترتيب المذكور عندكم في البيت كما رتبه الشافعية.

يقول: "ونظم بعضهم ترتيب الأقوات ورمز لها الأعلى فالأعلى"، بأول حرف من كل كلمة، فبدأ بالبُر بقوله: 

  • "بالله" أولها باء مشيرا إلى البُر أنه أعلى درجة عند فقهاء الشافعية: 
    • أن البُر أعلى الأقوات التي تُقتَات، فإذا كان قوت البلد البُر فلا يُجزئ غيره. 
    • لأنه أعلى شيء، ولهذا أكثر قوتهم خلال السنة البُر.
  • ثم السَّلْت وهي أيضا من حبوب، ثم الشعير، وثم الذرة. فأشار إلى السَّلْت بقوله: "سَلْ"
  • وإلى الشعير بقوله: "شَيخَ"
  • والذرة بقوله: "ذِي"
  • ثم الرز وأشار إليه بالراء في قوله: "رمْزٍ"
  • بعدين أشار إلى الحُمُّص أو يقولون له حُنبُص، بقوله: "حَكَى". 
  • ثم الماش -الدُّجُر يُقال له مَاشْ- أشار إليه بقوله: "مَثَلًا". 
  • "عن": عدس.
  • "فَوْرِ": فول. 
  • "تَرْكِ": تمر.
  • "زَكَاةِ": زبيب. 
  • "الْفِطْرِ": أَقِط.
  • "لَوْ": لبَن.
  • "جَهِلا": جُبن.

فرمز في أول حرف كل كلمة إلى القوت على حسب الترتيب:

"حُروفُ أوّلها جَاءَتْ مُرتّبةً *** أسماءُ قوتِ زَكَاةِ الفِطْرِ لَوْ عَقِلا"

قال: "والقدر الواجب إخراجه عن كل شخص: أربعة أمداد بمد النبي ﷺ"، فالعبرة بالكيل فيها، ولكن يمكن بالوزن -إذا تكون على سبيل التقريب فينبغي الاحتياط-، فكم تكون الأربعة الأمداد؟ 

  • كل مُدٍّ من المُد النبوي يساوي بوزن العراق: رطل وثلث، فالأربعة عبارة عن خمسة أرطال وثلث. 
  • قال أبو حنيفة: ثمانية أرطال من أرطال العراق. 
  • وكذلك يقول محمد، وأبو يوسف يقول لا، بل مثل الجمهور خمسة أرطال وثلث، هذا المقدار الصاع. 

الصاع أربعة أمداد بمُدِّهِ ﷺ: ولا يزال مضبوط المُد النبوي، وكان الكَيْلُ به، وإلى الآن، فمقداره موجود ومضبوط. 

يقول: "أربعة أمداد بمُدِّهِ ﷺ" عن كل فرد، عن كل فرد أربعة أمداد بمُدِّه ﷺ.

قال: "ومن التمر المرزوم "، يقصد به المنزوع النوى، الذي لا نواة فيه: 

  • "أربعة وثمانون أوقية أو تسعون أوقية"، يعني ثمانية أرطال وربع، كم أرطال تجيء؟ 
    • كل ستة عشر أوقية رطل.
  • "أو تسعون أوقية على جودة التمر وردائته"، والاحتياط فيه. 

ولكن العبرة لو اختلف العبرة بالكَيْل لا بالوزن، ولكن بالوزن تقريب، لأنه إذا كلناه يصير أربعة أمداد بمُدِّه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

كتابُ الصِّّيامِ

"الكتابُ لغةً: الضَّمُّ والجمعُ .

واصطلاحًا: اسمٌ لجنسٍ منَ الأحكامِ مشتملٍ على أبوابٍ وفصولٍ ومسائلَ وتنابِيْهَ غالبا .

والبابُ لغةً: فرجةٌ في ساترٍ يُتوصَّلُ بها منْ داخلِ إلى خارجٍ وعكسِهِ .

واصطلاحا: اسمُّ لجملةٍ منَ الأحكامِ مشتملةٍ على فصولٍ وفروعٍ ومسائِلَ وتنابِيْهَ غالبا .

الصِّيامُ لغةً: الإمساك .

وشرعًا: الإمساكُ عنْ جميعِ المفطِّراتِ بنيَّةٍ مخصوصةٍ علىٰ وجهٍ مخصوصٍ .

فائدةٌ

يجبُ صومُ رمضانَ على العمومِ بأحدِ أمرينِ: استكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، وثبوتِ رؤيةِ عدلِ الهلالَ عندَ الحاكِمِ.

عدلُ الشَّهادَةِ

عدلُ الشَّهادَةِ هوَ: المسلمُ المكلَّفُ الحُرُّ، الذي لمْ يرتكبْ كبيرةً، ولمْ يُصِرَّ على صغيرةٍ، وغلبتْ طاعاتُهُ معاصيَه، ويُشترَطُ فيْه أيضًا: أنْ يكونَ ذكراً رشيداً ذا مروءةٍ، يقظا ناطقا سميعاً بصيراً.

عدل الرواية

عدلُ الرِّوايةِ هوَ: منِ اجتمعتْ فيْه شروطُ عدلِ الشَّهادَةِ سوى الحُرِّيَةِ والذُّكورَةِ".

 

يتحدث عن الصيام، فالفرض منه رمضان، بقوله: 

  • (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة:185]. 
  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) [البقرة:183-184]. 

يقول: "كتاب الصيام"، فعرَّجَ على التعريف معنى الكتاب: 

"الكتابُ لغةً: الضَّمُّ والجمعُ"، يقال: تكتّبت الأشجار إذا اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض، ومنه الكتيبة من الجيش ينضم بعضهم إلى بعض ويلتئمون ويجتمعون للقتال ونحوه.

قال: "واصطلاحًا: اسمٌ لجنسٍ منَ الأحكامِ مشتملٍ على أبوابٍ وفصولٍ ومسائلَ وتنابِيْهَ غالبا"، والكتاب يشتمل على أبواب.

معنى الباب؟ 

  • "والبابُ لغةً: فرجةٌ في ساترٍ يُتوصَّلُ بها منْ داخلِ إلى خارجٍ وعكسِهِ" -ومن خارج إلى داخل-. 
  • أما في الاصطلاح: "اسمُّ لجملةٍ منَ الأحكامِ مشتملةٍ على فصولٍ وفروعٍ ومسائِلَ وتنابِيْهَ غالبا .".

 ورجع كذلك الفصل: 

  • لغة: الحاجز بين شيئين. 
  • واصطلاحا: جملة من الأحكام تشتمل على فروع ومسائل وتنبيهات غالبا. 
    • والفرع ما انبنى على غيره، 
    • الأصل ما بُني غيره عليه. 
    • والفرع ما بُني على غيره؛ والفرع يشتمل على مسائل وتنابيه غالبا. 

والمسألة:

  •  لغة: السؤال.
  • وفي الاصطلاح: خبرٌ يٌبَرهَنُ عنه في العلم.

وقال: "الصِّيامُ لغةً: الإمساك ": فمن أمسك عن شيء قد صام عنه. 

  • ومنه إمساك السيدة مريم عن الكلام: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) [مريم:26]، هذا إمساك عن الكلام. 

ولكن في الشرع معنى المراد بالصوم: "وشرعًا: الإمساكُ عنْ جميعِ المفطِّراتِ" -ما يُبطِّلُ الصوم- "بنيَّةٍ مخصوصةٍ علىٰ وجهٍ مخصوصٍ"، من طلوع الفجر إلى غروب شمس. 

  • فهذا هو الصوم في الشرع، يُمسك عن جميع المفطرات بنية مخصوصة من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. 
  • وكما قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) [البقرة:187]. 
  • وهو فُرِضَ في نفس السنة التي فُرض فيها الزكاة، وهي السنة الثانية من الهجرة، فُرض صوم شهر رمضان على المؤمنين.

فائدةٌ

قال: "يجبُ صومُ رمضانَ على العمومِ" -عموم المسلمين- "بأحدِ أمرينِ": 

  1.  "استكمالِ شعبانَ ثلاثينَ يومًا،"، إذا كَمُل شهر شعبان ثلاثين فوجب على الكل أن يصوم.
  2. "وثبوتِ رؤيةِ عدلِ الهلالَ عندَ الحاكِمِ"، رآه فأخبر الحاكم بذلك. 
    • فالجمهور: أيضا أنه يكفي في دخول رمضان عدل واحد. 
    • وقال بعض الأئمة: لابد من عدلين كغيره من الشهور. 
    • وحملوا ما جاء من الرواية: أنه لمَّا قال له الرجل إني رأيت الهلال وأمر بلالا أنه قد شَهِدَه، احتملوا أن يكون قد شهد آخر غيره. 
    • ولكن من العلماء كالشافعية وغيرهم قالوا: إنه يكفي في دخول رمضان وجود عدل واحد. 

وفرَّق بعض الأئمة بين ما أن يكون أيام غيم وأيام صحو: 

  • فإذا كانت أيام صحو فما يُقبل شهادة الواحد. 
  • وإذا كان هناك غيم فيمكن أن يراه أحد دون آخرين. 

دخول شهر رمضان احتياطا للصوم يُقبل بشهادة عدل واحد. ويقول القائل: قال إني رأيت الهلال، فيأمر بلالا أن يؤذن في الناس بالصوم ﷺ.

يقول: بأحدهما، هذا على العموم. 

أما على الخصوص: 

  • في حقِّ مَن رآه:
    • سواء كان رجلا أو امرأة، عدل أو فاسق- سواء ثبت عند الحاكم أم لم يثبت؛ من رآه وجب. 
    • قال الله في حقِّ من رآه: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185]. 
  • وفي حقِّ مَن صدَّقه: 
    • مَن صدَّق الرائي بأن كان الرائي غير مقبول عند الحاكم، كأن يكون أطفالا رأوا الهلال؛ ووقَع في القلب صدقهم؛ وجب عليه أن يصوم، في حق نفسه لا على العموم. 

العموم بأحد الأمرين: 

  1. استكمال شعبان ثلاثين. 
  2. أو ثبوته عند الحاكم برؤية عدل.

ما المراد بالعدل؟ 

قال: عندنا عدل رواية وعدل شهادة: 

  • عدل الرواية ممكن أن يكون مملوكا وحرا، ويمكن أن يكون ذكرا وأنثى، عدول في الرواية يرون وينقلون. 
  • لكن عدل الشهادة يُشترط فيه -مع الشروط التي في عدل الرواية زيادة- زيادة: الحرية والذكورة.

قال: "عدلُ الشَّهادَةِ هوَ:": 

  • "المسلمُ المكلَّفُ الحُرُّ"، المسلم المكلف يعني: بالغ عاقل، فإذا لم يكن بالغ؛ لا تصح وما تٌقبل شهادتهم. 
  • "الذي لمْ يرتكبْ كبيرةً، ولمْ يُصِرَّ على صغيرةٍ، وغلبتْ طاعاتُهُ معاصيَه"، ولم تختل مروءته.
  • "ويُشترَطُ فيْه أيضًا: أنْ يكونَ ذكراً رشيداً ذا مروءةٍ"، 
    • ليس سفيها مبذرا لماله.
    • وذا مروءة ما يتعاطى ما لا يليق بأمثاله، ولو من المباحات. 
  • "يقظا ناطقا سميعاً بصيراً"

فهذه شروط عدل الشهادة.

 و"عدلُ الرِّوايةِ هوَ: منِ اجتمعتْ فيْه شروطُ عدلِ الشَّهادَةِ سوى الحُرِّيَةِ والذُّكورَةِ". كذلك ما يُشترط في عدل الرواية أن يكون بصيرا ولا أن يكون سميعا، فقد يشهد بما رأى وهو غير سميع، وقد يشهد بما سمع وهو غير بصير، فيروي، فعدل الرواية يُقبل فيه هذا؛ لكن هذا يشترط فيه عدل الشهادة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم 

ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:

 

فائدةٌ

"يحرمُ ولا يصِحُّ صومُ خمسةِ أيامٍ :

العيدانِ أيْ: أوَّلُ يومٍ منْ شهرِ شوَّالٍ، وعاشرُ يومٍ منْ شهرِ ذي الحجَّةِ.

وأيامُ التَّشريقِ الثلاثَةُ؛ وهيَ: الحادي عشرَ والثاني عشرَ والثالثُ عشرَ منْه.

سنَنُ الصَّومِ

سنَنُ الصَّومِ كثيرةٌ، منْها: 

  1. تعجيلُ الفطرِ عندَ تيقُّنِ الغروبِ أو ظنِّهِ بأمارةٍ قويَّةٍ .
  2. وتأخيرُ السُّحورِ ما لمْ يقعْ في شكٍّ في طلوعِ الفجرِ.
  3. والإفطارُ على التَّمرِ.
  4. وترْكُ الفُحْشِ منَ الكلام ؛ ففي الحديثِ: "خمسٌ يُفطِّرنَ الصائمَ -أيْ: يذهِبْنَ أجرَهُ- الغيبةُ، والنَّميمةُ، والكذِبُ، والنَّظرُ بشهوَةٍ، واليمينُ الكاذِبَةِ".

الغيبةُ: ذكرُ أخيكَ المسلمِ بما يكرَهُ ولوْ كنْتَ صادقًا .

النَّميمةُ: نقلُ الكلامِ بقصْدِ الإفتانِ.

الكذبُ: هوَ الإخبارُ بغيرِ الواقعِ.

 

يقول: في أيام يَحرُم صومها من أيام السنة، وكما أنه في أوقات تحرم فيها الصلاة كذلك ففي أوقات كذلك يحرم فيها الصيام. وذلك أيضا فيه إشارات إلى أن العبادات منوطة بأصول وأسس، لا تقبل المبالغة ولا الإفراط ولا التفريط.

فقال: "يحرمُ ولا يصِحُّ صومُ خمسةِ أيامٍ"، أي: من أيام السنة: 

  • "العيدانِ": يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى بالاتفاق. 
    • وقال: "أيْ: أوَّلُ يومٍ منْ شهرِ شوَّالٍ"، هذا يوم عيد الفطر. 
    • "وعاشرُ يومٍ منْ شهرِ ذي الحجَّةِ"، وهذا يوم عيد الأضحى. 
  • "وأيامُ التَّشريقِ الثلاثَةُ؛ وهيَ: الحادي عشرَ والثاني عشرَ والثالثُ عشرَ منْه"، من شهر الحجة.

 

وعلى خلاف هل للمُتمتِّع ونحوه ممن وجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج -إذا لم يصم قبل ذلك- أن يصوم من أيام التشريق، فتكون ثلاثة أيام في الحج؟ على خلاف؛ ومعتمد الشافعية لا يجوز صيام ذلك.

وكذلك أضاف أيضا الشافعية ما لم يذكره: وهو النصف الأخير من شهر شعبان، إذا لم يصله بما قبله، ولم يكن قضاء ولا نذرا ولا عادة له، "إذا انتَصَفَ شَعبانُ فَلا تَصُوموا". 

  • فحرَّم الشافعية الصوم في النصف الأخير من شعبان لمن: 
    • لم يصله بالنصف الأول وهو يوم الخامس عشر. 
    • ولم يكن له عادة ولم يكن نذرا ولم يكن قضاء. 
    • فإذًا يؤخر ذلك، فلا يصوم في تلك الأيام. 
  • والجمهور على جواز الصوم فيها. 

واشتد الخلاف فيما قبل رمضان بيوم أو يومين؛ لورود حديث فيه. هذه الأيام التي لا يصح فيها الصوم.

وللصوم سنن كثيرة: 

"تعجيلُ الفطرِ عندَ تيقُّنِ الغروبِ أو ظنِّهِ" ظنّ الغروب "بأمارةٍ قويَّةٍ":

  • فإذا غلب على ظنه غروب الشمس أو تيقَّنَ ذلك؛ فيُسَنُّ له أن يُعجِّل الفِطرَ، فإنه من السنة. 
  • وأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يؤخرون الفِطرَ حتى تظهر النجوم، فالسنة مخالفتهم، وكان ﷺ يفطر قبل أن يصلي المغرب، أول ما تغرب الشمس.

"وتأخيرُ السُّحورِ ما لمْ يقعْ في شكٍّ في طلوعِ الفجرِ"

  • فيكون أقل شيء بينه وبين دخول وقت الصلاة: مقدار قراءة خمسين آية، في حدود عشر دقائق ربع ساعة تكون قبل طلوع الفجر، فهذه السنة أفضل؛ حتى لا يقع في شك. فإن التأخير مستحب ما لم يقع في شك.
    • "لا تزالُ أُمَّتِي بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطرَ وأخَّرُوا السُّحورَ".
    • و "لكلِّ صائمٍ عند فِطْرِهِ دعوةٌ مُسْتَجَابَةٌ".

قال: "والإفطارُ على التَّمرِ"، وهو الأفضل:

  • وأفضله الرُّطَب، ثم البِسْر، ثم التمر. 
  • ثم ماء زمزم، ثم بقية المياه.
  • ثم الحلو، ثم الحلوى. 

ترتيبها من جهة الأفضلية. فأفضلها هذا التمر وأفضله الرطب -إذا وجد الرطب-؛ للاتباع.

"وترْكُ الفُحْشِ منَ الكلام"، دائما، وللصائم مخصوصا: 

  • لقوله ﷺ: "الصِّيامُ جنَّةٌ، فإإذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ".

وحديث: "خمسٌ يفطِّرْنَ الصّائمَ"، مع ضعفه فالجميع متفقٌ على أن هذه الخمس تذهب الأجر. 

  • ومن أهل العلم من قال: أنها تُفَطِّر الصائم حتى يجب عليه القضاء، قضاء يوم بدل هذا اليوم. 
  • والجمهور: على أنها تُذهب الأجر، تُذهب أجر الصائم.

فيكون -والعياذ بالله- حَبِطَ الأجر الكبير للصوم الذي لا يُقَدَّر، فإن عامة الطاعات والعبادات ثوابها مُقَدَّر إلى عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، يقول الله: "إلّا الصَّومَ فإنَّهُ لي وأَنا أجزي بِهِ"، "كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يضاعَفُ لَهُ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سَبعِمائةِ ضِعفٍ قالَ اللَّهُ سبحانَهُ إلّا الصَّومَ فإنَّهُ لي وأَنا أجزي بِهِ"، كله يروح بسبب كذبة أو غيبة أو نميمة أو بشيء من هذه الخمسة! نعوذ بالله تعالى.

قال: "الغيبةُ: ذكرُ أخيكَ المسلمِ بما يكرَهُ ولوْ كنْتَ صادقًا"

الأمر فيه، ولكن لماذا تتكلم عنه؟ لماذا تذكر عيبه؟ 

  • إنما يلزمك تنصحه، وتذهب إليه بالرحمة والشفقة واللطف وتنصحه. 
  • وأما أن تتكلم عليه عند الناس فلا يجوز ذكر المعايب.

 يقول:

إذا لم يكن في السمع مني تصاونٌ *** وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صمتُ

فحظي إذًا من صوميَ الجوع والظما *** وإن قلت إني صمت يومي فما صمتُ

"مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ".

"الغيبةُ: ذكرُ أخيكَ المسلمِ بما يكرَهُ ولوْ كنْتَ صادقًا"، إما باللفظ أو بالإشارة. تكون الغيبة بالعين، تكون الغيبة بالحاجب، تكون الغيبة بالإصبع؛ تذكر عيبا في الثاني تقول هذا..

كما قالت مرة السيدة عائشة: حسبك من فلانة، وأشارت إلى قصرها، بالإشارة باليد، فغضب ﷺ قال: "لقدْ قلتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحْرِ لَمَزَجَتْهُ"، يعني أنها غيبة هذه، وهي بالإشارة.

وهكذا.. قال الإمام الغزالي: وعاد الأغرب، قال: إشارة الذين ينسبون أنفسهم إلى الصلاح وإلى العلم والفقه، قال يجيبها بصورة الدعاء، يذكرون له فلانا يقول: أصلحه الله أصلحه الله!، قال: بتدعي له! في السجود ادع له، وفي الخلوة، أما عندهم وقدام الناس أصلحه الله، هداه الله. وإلا يقول له: ابتلي بما ابتلي بالكثير منا من كذا وكذا -ولا حول ولا قوة إلا بالله!- كأنه يترحم عليه ويشفق، وهو يريد أن يشوه صورته يُعلمه أنه كذا كذا. الحيلة هذي ما تنفعك، عند الله غيبة: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) [الحجرات:12].

قال: "النَّميمةُ: نقلُ الكلامِ بقصْدِ الإفتانِ"، نقل الكلام أو نقل الفعل:

  • يقول هذا فعل كذا مما يضرك، أو قال عنك كذا مما يقدح فيه. 
  • إنما الواجب أن تنصح هو المتكلم على الآخر، تنصحه ما تنقل كلامه إلى الآخر. 

فنقل الكلام بقصد الفتنة هو النميمة التي لا يُبتلى بها فيُداوم عليها إلا من فيه عرق من الزنا: 

  • يقول تعالى: (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) [القلم:11-13]. 
  • و"لا يدخل الجنة قتَّاتٌ"، أي: نمام، -نعوذ بالله تبارك وتعالى-. 

فالواجب السعي في الإصلاح بين الناس: 

  • ومن نمَّ لك نمَّ عليك.
  • وإذا جاءك أحد بنميمة فانصحه وقل له: تب إلى الله ولا تبلغني شيء من مثل هذا.
  • جاء واحد سيدنا عمر بن عبدالعزيز، قال له: فلان يتكلم عليك كذا كذا. قال: يا هذا! إن شئت نظرنا في أمرك: 
  • فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ) [الحجرات:6]. 
  • وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ) [القلم:11-13]. 
  • وإن شئت أن أعفو عنك هذه المرة ولا تعد؟. قال: لا، اعف عني، ما عاد أعود. 

لأنه مشكلة كله.. إن كان صادق وإن كان كاذب كلها مشكلة، لكن حصَّل قدامه عمر بن عبدالعزيز أمير رشدٍ وعدل -عليه رحمة الله تعالى-، فتوَّبه وخلَّاه لا عاد ثاني مرة يذكر الشيء، وخرج.

قال: "الكذبُ: هوَ الإخبارُ بغيرِ الواقعِ"

  • ومن وقع في الكذب في الأقوال في اللسان؛ فإنه يكذب في الأفعال ويكذب في الأحوال. 
  • ومن تنزَّه عن ذلك يكون قريبا؛ لأن يَصدُق في أفعاله ويَصدُق في أحواله.

 

أسئلة

نقل زكاة الفطر لخارج البلد؟ 

  • إذا لم يوجد في البلد محتاج نعم، أو كان خارج البلد وقريب منها قريب له، أو أشد حاجة ومضطرين، وإلا فيخرجها لأهل البلد. 
  • وإنما قال تلزم في البلد الذي تخرج عنه الزكاة لا الذي يخرج الزكاة، فإذا كان المُخرِج للزكاة في بلد والذين يُخرِج عنهم في بلد أخرى، فكلٌّ يُخرِج عنه في بلده الذي غَرُبَت عليه الشمس ليلة العيد وهو فيها، فهذا أفضل. 

وقال: إذا كان عليه صيام شهرين متتابعين فصادف يوما من الأيام المحرمة؟

هو مَن قال له يَشْرَع فيها؟ ما يعرف العدد؟! إذا عليه شهرين متتابعين ما يشرع قبل العيد!، اِبْعِد من العيد واِبْعِد من الأيام المحرمة، حتى تكون سهلة عندك! ماهو موجود قدامك شهرين بين العيدين ما يدخل فيها عيد الفطر ولا عيد الأضحى. 

  • أما بعد عيد الحجة بعد أيام التشريق معك شهرين وشهرين وشهرين.. صوم فيها هذه!
  • إنما المعذور المسكين مثل الحائض، لو وجب عليها صوم متتابع لأنه ما يمكنها، في كل شهر تحيض: 
    • فحينئذ ما ينقطع، تفطر أيام الحيض وتواصل حتى تكمِّل شهرين ولا يضر الانقطاع بالحيض. 

أمَّا انقطاع بيوم عيد؟ وأنت داري بنفسك بتصوم شهرين والعيد بعد خمس أيام ولا بعد شهر! وتقول صوم شهرين متتابعين! هذا الذي قبل العيد كله بَطَل، وأفطر في العيد، وأرجع شهرين ثانيين من البداية الآن. 

لأنك أنت أبله بليد ما تشوف؟ تريد شهرين وقدامك العيد وتبدأ وتشرع في الصوم!، خلي بلاهتك الصوم كله هذاك فات -يعني فات من حيث العدد، أنت لك ثواب صوم نفل- لكن الكفارة عادها ما بدأت، تفطر في يوم العيد وتبدأ تصوم شهرين متتابعين. 

  • الحمد لله أنت رجال ما بتحيض! فيمكنك أن تصوم شهرين متتابعين. 
  • أما المرأة معذورة ما هو بيوم العيد: 
    • إلا إن كان يصادف أيام تعرف أن أيام حيضها بيصادف أيام العيد يجوز لها، ومحسوب لها. 
    • أما إذا كان يمكن أن لا تصادف أيام العيد فلا يمكن. 
    • فلو صامت ثم جاء يوم العيد وهي طاهر: وجب عليها أن تفطر وانتهى التتابع، فترجع ثاني مرة من أول. 
    • أما الانقطاع بالحيض هي معذورة في ذلك، ولا يعتبر ذلك إخلالا بالعدد. 

والله أعلم..

اللهم صلي عليه وعلى آله وانظمنا في سلكه، واحملنا في فلكه، واجعلنا من خواص أهل اتباعه، وارفع عنا به وارزقنا حسن الاقتداء بنور شعاعه وادفع به عنا وعن الأمة جميع الآفات واصلح الظواهر والخفيات وعجِّل بالفرج لأمته أجمعين. 

واجعلنا في خيار أمته، وانفع أمته لأمته، وأبرك أمته على أمته، وانفعنا بهم عامة، وبخاصتهم خاصة واصلح شؤون الأمة واكشف الغمة بمحض اجود والرحمة، وبارك في المولود المبارك محمد بن حمزه بن حامد المحضار، يجعله اللّٰه في الهداة المهتدين أهل الأنوار والأسرار ويسلك به بمسالك النبي المختار ويعيذه من جميع الشرور والأشرار، ويحميه من جميع المضار ويبلغ الآمال وفوق الآمال فيه، ويجعله واسع البركة على أهليه وذويه وأهل بلده وزمنه والمسلمين واجعله فيمن تراهم عين عنايته في كل شأن وحال وحين، ويبارك في أهالينا وأولادنا وذرارينا ويصلح لنا ولهم ظواهرنا وخوافينا ويبلغنا فوق امانينا من خير الدنيا والآخرة.

بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ

إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ 

الْفَاتِحَة

تاريخ النشر الهجري

27 مُحرَّم 1448

تاريخ النشر الميلادي

12 يوليو 2026

اضافة إلى المفضلة

كتابة فائدة متعلقة بالمادة

الأقسام