(475)
(635)
(368)
الدرس الثاني للعلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ في شرح كتاب: الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة، للحبيب محمد بن سالم بن حفيظ ، ضمن دروس الدورة الصيفية الثالثة بمعهد الرحمة بالأردن - محرم 1448
ظهر الخميس 17 محرم 1448هـ
لتحميل كتاب "الفوائد الثمينة" (PDF) اضغط هنا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبِسندكم المتصل للحبيب العلامة الداعي إلى الله الوالد محمد بن سالم بن حفيظ ابن الشيخ أبو بكر بن سالم العلوي الحسيني التريمي -رضي الله عنه وعنكم وعن سائر عباد الله الصالحين- من كتاب (الفوائد الثمينة لقارئ المختصر والسفينة) إلى أن قال:
الحمد لله رب العالمين
الحمد: لغةً الشكر والثناء، وعُرفا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره.
رَبْ: أي مالك.. العالمين: هم الإنس والجن والملائكة.
أركان الحمد
أركان الحمد خمسة:
أحكام الحمد
أحكام الحمد أربعة:
الحمدلله رب العالمين أهلُ الحمد ومستحقُّه على كل حالٍ وفي كل حال ولا يقوم بحق حمده الا هو جل جلاله وتعالى في علاه، وأحمدُ خلقهِ له بأجل المعاني بما أنزل عليه من المثاني عبده المختار محمد ﷺ؛ فهو صاحب لواء الحمد ووصُفت أمته بالحمّادين صل اللهم وسلم وبارك وكرِّم على خاتم النبيين عبدك المختار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين، وآلهم وصحبهم والتابعين، وعلى ملائكتك المقربين، وجميع عبادك الصالحين، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ولما كان الابتداء في الكتب بالبسملة والحمدلة جمعاً بين الروايات، تكلم عن بعض أخبار البسملة وأحكامها فيما مضى، ويتكلم الآن عن الحمد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وهي التي جعلها الله تعالى آية في فاتحة الكتاب.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيتكلم عن معنى الحمد ومعنى الشكر فيقول: "الحمد لغةً: الشكر والثناء، وعُرفاً: فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعماً على الحامد أو غيره".
فالحمدُ:
فما كان من العمل الذي يدل على تعظيم المنعم من حيث كونه صاحب إنعام؛ سواء على ذلك المُعَظِّم أو على غيره، ولا شك أن العابدين لله -تبارك وتعالى- يعبُدونه شكرًا على ما أنعم عليهم، ويستشعرون ويشهدون كونه مولى النعم جميعها، فما من نعمة إلا منه (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53].
فالفعلْ الذي يدل على تعظيم المنعِم مثلاً يتقلَّد لأحد منا؛ فإذا لقيه قام له أو قبّل يده؛ هذا فِعل يدل على التعظيم، فيكون في معنى الشكر إذا كان دافعهُ لذلك الفعل شهوده أن الذي فعل معه هذا الفعل مُنعم؛ أي: صاحب إحسان وصاحب فضل وكرم له، فهذا معنى الحمد عُرْفاً، والمعنى العرفي هذا للحمد يقولون هو معنى الشكر لغةً..
وهل يخالفونه تعالى ويخالفون أمره إلا بنعمِهِ التي أنعم بها عليهم؟ فيصرفون نعمهُ إلى مخالفة أمره -والعياذ بالله تعالى- هذا جحود كبير من الخلق.
ومن هو؟ وما تكوينه؟ من أين جاء حتى يبطر هذا البطر ويمضي في هذا الأشر؟ يقول سبحانه وتعالى: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ) [عبس:17-22]، فما الذي يدعوه لهذا الجحود والتأبِّي والبطر؟ وكان من حقه لو عَقَل أن يكون عارفًا بحقيقة نفسه.
يقول: "الحمد لغة: الشكر". نَقل عندكم في التعليق عن الطبري في تفسيره عن ابن عباس:
وكل هذا لها أوجه في الدلالات من خلال الألفاظ وهي محتملة لكل هذه المعاني، فإذا لوحظت من وجه ظهر لها معنى ومن وجه آخر ظهر لها معنى، ولكن ترجع جميع معاني الحمد والشكر:
ولكنه يزداد قرباً ورحمة من الله مؤمنة بما يقوم به مما يقدر عليه من الشكر والحمد لله تبارك وتعالى وخصوصاً هذه الأمة، فقد جاء في وصفها في التوراة: قلوبهم مصاحفهم؛ أي: أنهم كثيرو الحفظ لكتاب الله تعالى، يحمدون الله على كل شدة ورخاء، وفي وصف بعضهم هم الحمّادون.
والحمّادون من هذه الأمة أول من يدخل الجنة؛ لأن أول من يدخل الجنة من الأمم يوم القيامة أمة النبي محمد، وأول من يدخل من أمة النبي محمد الْحَمَّادُونَ؛ الذين يستشعرون مِنَّة الله ونعمته في كل شدة وفي كل رخاء، وفي كل صحة وفي كل مرض، وفي كل نعمة وفي كل بلية، يشهدون مِنة الله ونعمة الله عليهم.
ولذا كان يقول سيدنا عمر بن الخطاب: ما أُصبت بمصيبة إلا لوجدت لله فيها عليّ ثلاث نعم:
وهكذا يحمد الحمّادون للرحمن -جل جلاله- وتعالى في علاه.
ونُقل عن الإمام النووي:
ونقل كذلك ما ذكره العلامة السيد أحمد بن عمر الشاطري في شرح السفينة قوله: "الحمد الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم":
وإنما تحمده على الجميل الاختياري الذي له فيه كسب واختيار على جهة التعظيم والتبجيل، بخلاف ما يكون على جهة التبكيت والاستهزاء، فيَضْعُف عن حمل شيء ويقول: أنت قوي .. قوي ممتاز، يستهزيء به ويضحك عليه لأنه ما قدر يحمل ويقول له انت قوي.. كما تقول الملائكة لأبي جهل وأمثاله في النار:
فالحمد إذًا: الثناء باللسان على الجميل الاختياري. لماذا قالوا باللسان؟ لأنه إذا كان بالفعل من غير اللسان يُقال له شكر، يقال له: شكر، ما يقال له: حمد، وإن كانت لها اندراج في بعض المعاني الحمد والشكر.
قال: "وعرفاً فعل يُنبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعماً على الحامد أو غيره، والشكر: لغة: هو الحمد عرفا".
وذكر عن ابن جرير أيضاً في التفسير قال: ولا تمانُعَ بين أهل المعرفة بلغات العرب من الحكم لقول: الحمد لله شكراً؛ يصح؛ هذا قول صحيح بل ورد في حديث قوله لما ذهبت سرية، قال: "لئن رجعوا سالمين لأحمدن الله أبلغ الحمد"، فلما قدمت السرية سالمين قال: "الحمد لله شُكراً". فقال له بعض الصحابة: إنك قلت إذا جاءت السرية تحمد الله أبلغ الحمد، قال: "أما سمعتني قلت الحمد لله شكراً؟" فجعل ذلك من أبلغ الحمد ﷺ: "الحمد لله شكراً".
قال: فقد تبيّن إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحاً:
ومعنى الاستخذاء الذي ورد في كلام ابن عباس:
يقول: "الحمد لله رب العالمين"، اللهم اجعلنا من الحمّادين الذين يحمدونك على كل حال وفي كل حال إنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، املأ قلوبنا باستشعار منتك ونعمتك علينا وعلى عبادك.
وقد علمنا النبي ﷺ في كل مساء نقول: "اللهم ما أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر"، كم في هذه المعاني من تطهير الباطن من شوائب الشرك الخفي، ويُظن أن شيئاً من الإنعام يعود إلى أفراد أو جماعاته أو هيئات؛ فما من شي نعمة فمن عنده، هو الأصل فيها، وهؤلاء مسخرون كما يريدنا يسبب ذا وذا:
فكيف تحمده أنه أنعم عليه وبعد ذلك تستثقلها عليه؟
تكون متناقض أنت تحمده على النعم التي أنعم بها على كل من أنعم عليهم في الشرق والغرب، في الأرض والسماء، فاحمد الله على ذلك. فصلى الله على الحماد الشكار الذي طوى له الحق المعاني في الألفاظ القصيرة.
يقول: "رب العالمين"، رب أي: مالك؛ أحد معاني الرب في اللغة: المالك. والمُراد هنا:
وما إلى ذلك من إطلاقات معاني الرب.
والرب كما قال ﷺ: "ما لك ولها"، يعني: الجمال، لما سئِل عن ضالتها قال: "ما لكَ ولَها؟! معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ، وتَأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَلقاها رَبُّها"، أي: المالك لهذا الجمل، فيقال: رب الدار، ورب الأسرة، ورب الجمال، بهذا المعنى. أما الرب بمعنى الخالق المنشئ؛ هذا خاصٌ به سبحانه وتعالى.
قال: "رَبْ: أي مالك.. العالمين: هم الإنس والجن والملائكة"، مع أن العالَم كل ما سوى الله تبارك وتعالى؛ عالَم الحيوان؛ عالَم النبات؛ عالَم الجماد؛ عالَم الروح؛ عالَم الملك؛ عالَم الملكوت؛ وهو عالم الغيب وعالم الشهادة. قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الأنعام:75].
فعالم الشهادة وعالم الغيب، عالم الحس وعالم المعنى، عالم المُلك وعالم الملكوت.
"رب العالمين": الإنس والجن والملائكة؛ هم لكونهم روح العالمين وصفوتهم؛ لأن الله أمد هؤلاء الإنس والجن والملائكة بتجلٍ منه بمدارك وعقول لهم ليست لبقية الكائنات، فيستعدون بذلك لأن يعرفوا من عظمة الله وجلاله وأسمائه وصفاته ما لا تدركه بقية الكائنات والمخلوقات إذا استعملوا طاقتهم التي أعطاهم الله تعالى إياها على وجهها الصحيح، فإنهم يدركون من المعارف ما لا تدركه بقية الكائنات.
يقول سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ) [الحجر:26-27]، من قبل خلق الإنس؛ التكوين الجسدي للإنس جاء بعده.
وتدل الآية: أنه لما كانوا الجن وفسدوا في الأرض وفسقوا إلا إبليس رُفع إلى السماء، إلى أن جاء وقت طرده لأنه كان أمهله الله، لأنه كانت معصيته باطنة ما عرفها حتى الملائكة؛ الكِبْر الذي في قلبه ظهر فيه بعدما أُمِرَ بالسجود لآدم؛ فكان سبب طرده.
يقول لما قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)، لو لم يسبق أحد قبل آدم يفسد ويسفك الدماء كيف تقول الملائكة هذا؟ قد شاهدوا خلق في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، فلما قال جاعل في الأرض خليفة، يرجع ثاني مرة أحد يصنع مثل هذه المشاكل في الأرض؟ قال: ( قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) [البقرة:30-31]. ويقول عن إبليس وكونه من الجن، قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [البقرة:50].
يقول: "أركان الحمد" يتكون الحمد من "خمسة" أركان أي: أجزاء يقوم عليها الحمد.
فهذه أجزاء ما يتحقق الحمد إلا باجتماعها الخمسة:
فإذا قال إنسان: الحمد لله على نعمة العافية، اجتمعت الأركان:
فمن هذه الأركان يتكون الحمد، ثم له الأحكام.
ما حكم حمد الله تبارك وتعالى في الشرع؟
قال: "أربعة أحكام":
لم يذكر فيها المباح؛ لأن أصله الندب، وأهل الأصول يقولون: ما كان أصله الندب لا تعتريه الإباحة، فما يأتي فيه حكم المباح، فأي وقت حَمِدَ الله لا يكون مباحًا؛ كيف يعني مباح؟ أي: لا يُثاب عليه؛ إذا انصرف بواسطة، أي: أنه ربطه بمكروه أو ربطه بحرام.
وإلا فالحمد لله عظيمة القدر عِنْدَ الله، وكما قال نبينا: "والحمد لله تملأ الميزان"، أي ثوابها يملأ كفة الميزان.
3. ومكروه، الحمد مذكر -ملاحظة- يكون مكروه. مكروه عند المزبلة، موضع الزبل -موضع القمامة والأوساخ والقاذورات- من أجل أن الحمد المعظم يُصان عن أن يُنطق به، فيكون المكروه: النطق به؛ أما الحمد بالقلب ما يُكره في أي حال، في أي وقت، مثل ذكرك لله بقلبك ما منعك عنه في كل حال، لكن باللسان إذا كان الموضع نجسًا فيه قاذورات، تتوقف. أما بالقلب فسح المجال بينك وبينه، فقال: اذكرني واحمدني في كل حال، فله الحمد. النبي يقول عند قيامه من النوم: "الحمد لله الذي رد عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذِنَ لي بذكره"، له الحمد.
فالذكر بالقلب فَتَحَ بابه للمؤمن على الإطلاق في أي مكان في أي حال بقلبك مفسوح لك، لكن ما يظهر من اللسان يقول تتجنب مواضع القاذورات، لا تنطق بها باللسان، ولا تنطق باسمه ولا بحمده ولا بذكره في هذه المواضع. فيكون مكروهًا عند:
4. ويكون حرامًا، حرام عند الوقوع في المعصية -إذا كان- فرحاً بها. والفرح بالمعصية أشد إثمًا من المعصية؛ لأن المؤمن قد تصدر منه المعصية ولكن لا يفرح بها، ويندم عليها ويخاف من عاقبتها ومغبتها بخلاف المنافق والكافر.
وبهذا يقول: الفرح بالمعصية أشد إثمًا عند الله من فعل المعصية من دون فرح بها. فإذا قال: "الحمد لله" يقول إنه سرق وتمكن من السرقة وما حد اكتشفه، وأنه يحمد: الحمد لله!
الحمد على ماذا؟!
على أنك تجرأت عليه وتعرضت لغضبه وتعرضت لعذابه، فما يكون هذا محل الحمد! إذا حمد الله على ستره وعلى توفيقه للتوبة ما هناك إشكال. لكن يحمد على أنه تمكن من المعصية وفعل معصية!! أو أراد يشرب خمرًا باسم الله و مثله شرب، الحمد لله!
الحمد على ماذا؟!
أنت اجترأت على الجبار وتعرضت لغضبه! هذا ما هو موضع الحمد؛ فيكون الحمد فرحًا بالمعصية أشد إثمًا من فعل المعصية.
والمؤمن الذي إذا ذكر الذنب خاف وندم، قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [آل عمران:135].
وفي الخبر أيضًا:
ولذا جاء في تاريخ خيار هذه الأمة:
لا إله إلا الله، وهكذا حال المؤمنين مع الله.
بعده،
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
فائدة
"الصلاة: من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن الآدميين تضرع ودعاء.
والسلام لغة: الأمان، وشرعا: الأمان من جميع الآفات.
اسم النبي ﷺ ونسبه:
هو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن حكيم بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، جد النبي ﷺ".
يقول عليه -رضوان الله تبارك وتعالى- في معنى الصلاة، يُقال: صلّى الله تعالى، وصلّت الملائكة، وصلّى الآدميون، فتأتي بمعانٍ واسعة.
فهي "من الله تعالى رحمة"، ولكنها تزيد على الرحمة المجردة أو المطلقة في قول: رَحِمَ الله فلان أو صلى الله على فلان؛ كيف؟
الرحمة المقرونة بمعنىً من التعظيم والإكبار يُعبَّر عنها بالصلاة: صلى الله على فلان؛ فهي أرفع معنى من أن تكون مجرد الرحمة، صلى عليه؛ فالصلاة من الله تعالى رحمة.
ولكن إذا صليت على نبي من الأنبياء فالمعنى تسأل الله له رحمة، ما هي رحمة عادية؛ رحمة لائقة بمقام ذلك النبي وقدره، أي؛ رحمة مقرونة بالتعظيم، فهذا معنى الصلاة إذا كانت من الله تعالى. وهذا من أظهر معانيها وتفصيلاتها بعد ذلك واسعة، حتى بعضهم يجعل في معنى صلِّ على سيدنا محمد، أي بمعنى:
فيندرج في معنى قول: اللهم صلِّ على محمد ﷺ. فعلى كلٍّ يرجع معاني الصلاة من الله تعالى رحمته لعباده، فمن صلى عليه فقد رحِمَه.
وكذلك "الملائكة صلاتهم على الآدميين استغفار لهم"، صلت عليه الملائكة:
فاستغفارهم لنا ودعاؤهم لنا هو الصلاة.
ومنه عموم الدعاء كذلك فيما ذكر لنا الله في القرآن؛ نموذج من صلاة حملة العرش بالنسبة للدعاء للمؤمنين منا والتائبين -جعلنا الله وإياكم منهم- قال تعالى:
فسبحان الله هذه علاقة حملة العرش بالصالحين في الأرض؛ يذكرونهم ويثنون عليهم ويتقربون إلى الله بذلك، فكيف يمكن مؤمن في الدنيا يشمئز من ذكرهم والترضي عليهم والاستغفار لهم، وحملة العرش متقربين إلى الله بذكرهم والدعاء لهم ولآبائهم وأزواجهم وذرياتهم؟! فهكذا يجب تكون العلاقة بين المؤمن وبين الصالحين من عباد الله، وبين المؤمنين من الملائكة والإنس والجن.
قال: "ومن الآدميين تضرع ودعاءّ":
قال: "والسلام لغةً الأمان"، معنى السلام، "وشرعاً: الأمان من جميع الآفات".
فالسلام لغة: الأمان من جميع الآفات.
ومن صلاته علينا وصلاة ملائكته إن شاء الله تعالى:
وذكرنا أيضًا السلام، والسلام على خير الأنام ﷺ، وما خصَّه الله به من السلامة التي ليست لغيره من جميع النقائص والعيوب، صلى الله وسلم عليه وعلى آله.
وذكر بعد ذلك اسم النبي، "اسم النبي ﷺ سيدنا محمد". وعجيب هذا الاسم حفظه الله له على ممر القرون من حين خلق آدم، مع أنه يقرؤونه الأنبياء كلهم والملائكة على قوائم العرش اسم محمد، ويسألون ويذكره لهم -سبحانه وتعالى- في الكتب المنزلة، وما أحد يسمي به، حتى لما قرب وقت ولادته وكثر كلام أهل الكتاب من الأحبار والرهبان أنه يوجد الآن نبي يسمى محمد، فيقولوا وصلوا إلى حدود خمسة عشر ناس في السنة التي وُلد فيها سموا أولادهم محمداً، لكن (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ۗ) [الأنعام:124]، ثم انتشر بعد ذلك في عدد من أصحابه، عدد من الصحابة اسمهم محمد، الاسم الشريف هذا اختاره الله به لائق بالمكانة.
محمّد: اسم هو في اللغة من كثرت خصاله الحميدة، من كثرت خصاله الحميدة يقال له: محمد، أو كثر حمد الناس له، فهو محمد.
وهذه الخصال الحميدة ما اجتمعت في أحد كما اجتمعت فيه، ولا يحصل حمد الناس لأحد من الناس كما يحصل الحمد له ﷺ في موقف القيامة، يحمده الأولون والآخرون: (عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) [الإسراء:79] ﷺ.
وسيدنا محمد، وهو أشهر أسمائه في الأرض، وأشهرها في السماء أحمد. هو محمد وأحمد وحامد ومحمود كلها من أسمائه ومشتقة من الحمد، وهو حامل لواء الحمد ﷺ.
ويُذكر عن سيدنا الشاعر حسان بن ثابت أنه يقول:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه *** إذا قال في الخمس المؤذن أشهدُ
وشق له من اسمــــه ليُجلّـــه *** فذو العرش محمودٌ وهذا محمدُ
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
سماه به جده عبد المطلب بإشارة من أمه بإلهام من الله تعالى؛ لأن والده توفي وهو ابن شهرين حَمْل -حمْل له شهران في بطن أمه- فسماه جده عبد المطلب، حتى إن قريشاً لما ما كان معهود هذا الاسم عندهم، قالت له: ما هذا الاسم الذي جئت به يا عبد المطلب؟! ليس من أسماء آبائك وأجدادك! فكان أيضاً عندهم ننخوة وغيرة أن لا يختاروا إلا أسماء آبائهم وأجدادهم. وهذه بعدت من بعض المسلمين، مسلم يجيء يدور له اسم حق واحد بعيد من هنا ولا من هناك وعاده بيفتخر، أنت أهنت نفسك وسقطتها وعادك بتفتخر بذلك؟! وهؤلاء قالوا ليس من أسماء آبائك وأجدادك! قال: إني رجوت أن يحمده أهل السماوات والأرض. وعقّ عنه -أي: عمل عقيقة- جده عبد المطلب:
دعا قريشاً رؤساء النادي *** وعقّ عنه سابع الميلادِ
سمـــــاه لما حضروا محمــداً *** قالوا لماذا؟ قال حتى يُحمدا
يَحمَدُهُ أهلُ السماء والأرضِ *** فَحَقَّقَ اللهُ رجاءَهُ المَرْضِي
(فهو) اسمه السابق -سبحان الله- وأمه في كل شهر كانت ترى نبياً من الأنبياء يقول لها: سميه محمداً، سميه محمداً. أيضاً عند وضعه وأخبرت جده عبد المطلب وسماه محمداً، وقد هو اسمه من الأزل ﷺ.
محمد بن عبد الله: اختيار الله الاسم أيضاً لأبيه معنى: عبد الله. محمد بن عبد الله.
وعبد المطلب هذا اسمه شيبة، شيبة الحمد، ولكن لما حمله عمه المطلب، عمه المطلب حمله من المدينة إلى مكة؛ لأن جدهم هذا أبوه هاشم، هاشم أبو المطلب، هاشم تزوج في المدينة المنورة ووُلد له الولد، لما وُلد هذا الولد خرج من بطن أمه في رأسه شيب؛ فسموه شيبة الحمد. لما كبر ذهب عمه هذا المطلب -المطلب بن عبد مناف- أخو هاشم بن عبد مناف؛ لأن هاشم تزوج في المدينة، ذهب إلى المدينة المنورة وحمل الولد. فلما وصل به إلى مكة مُرْدِفُهُ خَلْفَه قالوا: هذا المطلب وهذا عبد المطلب، فغلب عليه الاسم، عبد المطلب، اشتهر بعبد المطلب، اسمه شيبة الحمد، وكان شيخ الحرم في وقته، بل أيضاً هذا الاسم لم يتحرز منه ﷺ ولم يتحرج أن يقوله إلى آخر أيامه عليه الصلاة والسلام، بل كان بعد فتح مكة في غزوة حنين يهتف بهذا ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ولم ير حرجاً في أن يسمي جده عبد المطلب.
وعبد مناف حتى لما سرد نسبه الشريف قال: "عبد مناف"، ما غير الاسم، قال: "ابن هاشم بن عبد مناف". وهاشم هذا أخو المطلب وعبد شمس ونوفل، أربعة أولاد عبد مناف. ولكن -سبحان الله- توافق بنو المطلب وبنو هاشم وصاروا أنصاراً لبعضهم وتمازجوا من قبل، فصاروا بعد ذلك هم الآل كما سيأتي معنا.
"ابن عبد مناف بن قصي بن حكيم" ولقب بكلاب واشتهر باسم كلاب؛ لأنه كان يخرج للصيد معه كلاب الصيد، فلُقب بكلاب واسمه "حكيم بن مرة بن كعب بن لؤي" كانوا قالوا فيه: يُسمع التلبية من صلبه في لؤي هذا.
وهؤلاء كلهم ظهرت على وجوههم أنوار من عند الولادة. إذا حملت زوجته بالابن الذي يكون هو اللي حامل له ينتقل النور إليها؛ كلهم هؤلاء مرت عليهم، من عند شيث بن آدم، بل من عند آدم كان يلوح نور على جبهته:
يقول: "ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة".
"ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان".
"وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن حكيم، ـوهو هذاـ جد النبي ﷺ"؛ فتلتقي مع النبي ﷺ في حكيم الملقب بكلاب هذا في عمود النسب تلتقي معه، بن مرة بن كعب بن لؤي إلى آخر النسب، آمنة بنت وهب اختارها الله أماً لنبيه ﷺ.
يقول السيد عبد القادر خرد -عليه رحمة الله تعالى- يخاطب السيدة آمنة يقول:
الله شاءكِ أن تكوني فينا *** أمّاً لخير المرسلين حنونا
اختاركِ المولى لحمل أمانة *** فخُلِقْتِ آمنةً وَ وَضَعتِ أمينة
ثم يقول إن العلماء قالوا أفضل بقعة هي التي ضمت عظام النبي ﷺ في قبره الشريف، يقول:
إن كانت أفضل بقعة تلك التي *** أضحى بها خير الأنام دفينا
فلكونها ضمت عظام المصطفى *** لكن ببطنك كُوِّنت تكوينـــا
أنتِ وسط البطن حُقَّك كُوِّنت عظام النبي ﷺ، لكن ببطنك كُوِّن تكوينا. آمنة بنت وهب؛ (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
بسم الله الرحمن الرحيم
ورضي الله عنه وعنكم إلى أن قال:
فائدة
"السيِّد: من ساد في قومه أو كثر سواده، أي: جيشه، أو من تفزع الناس إليه عند الشدائد، أو الحليم الذي لا يستفزه غضب، وقد اجتمعت هذه الصفات في نبينا محمد ﷺ.
معنى النبي والرسول:
النبي: هو إنسان حر ذكر سليم عن مُنفِّرٍ طبعا، وعن دناءة أب وخناء أم، أوحِيَ إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه فهو نبي ورسول".
يقول: ما تعريف "السيد" في اللغة العربية، عندهم من هو السيد؟ يقول:
أي: من يُطلق عليه لفظة السيادة وهو من تميز عن الآخرين وسادهم وارتفع عليهم وعلاهم، يقول يطلق عليه لفظة السيد في اللغة، إنما قال ذلك:
قالوا واجتمعت هذه الصفات وأعظم منها وأكثر منها فيه ﷺ، فهو سيد الأولين والآخرين وأكرمهم على رب العالمين صلوات ربي وسلامه عليه، الله أكبر.
ويقول فيه: سادَ، يسود، إذا اعتلى وترفع على قومه. وهو بمعنى: الاعتلاء والتفوق باعتباره المعنوي. وسأل مرة الحبيب علي الجفري الحبيب عبد القادر بن أحمد السقاف، قال له: متى يتفوق الإنسان على غيره؟ قال له: إذا لم يكره أن يتفوق غيره عليه.
يعني إذا كان مطهر الباطن؛ صافي السريرة؛ ما يكره ارتفاع الناس، هذا هو الذي يفوق الناس في وجدانهم.
ثم ختمه بذكر "معنى النبي ومعنى الرسول" يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ) [النحل:43]:
هذا معنى تواردوا في ذكرهم عند النبي والرسول: لكن من المعلوم المقطوع به أن جميع الأنبياء كانوا يعلمون الناس، وكانوا يحيون شرع من قبلهم من الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
ويُروى في حديث أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، وأن الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. قالوا والصحيح عدم حصرهم؛ لقول الله: (مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ)[غافر:78]؛ ولكون الإيمان واجبأ بهم على سبيل الإجمال، فيُخشى أن من حصرهم في عدد أن يكون مكذباً -لو كانوا أكثر- أن يكون مكذباً بالآخرين الذين هم أكثر من هذا العدد؛ فآمنا بكل رسول وبكل نبي بعثه الله، آمنا بهم أجمعين.
ويفرق بعضهم بين النبي والرسول:
والأنبياء يجددون شرائع الذين قبلهم، وهكذا. وهي مهمة علماء الأمة الأخيار الصالحين في أمة محمد، يجددون شريعة النبي محمد، كتجديد الأنبياء لشرائع الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- وهو أحد الوجوه في معنى قوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل".
قال: "فإن أمر بتبليغه فهو نبي ورسول"، صلوات الله على أنبيائه ورسله.
فمن المعلوم عندكم:
صلوات الله وسلامه عليهم، ورزقنا متابعتهم.
بارك الله لنا ولكم في الدرس وفي الحضور، وفيما نقرأ، وفيما نسمع، وفيما نقول، وفيما نتعلم، وفيما نفهم، وفيما نعمل به، وفيما نقوم بحقه.
وبارك لنا في حضور المشايخ معنا هذا اليوم في هذا الدرس، مرحباً بكم وبحضوركم، زادكم الله توفيقاً وعنايةً، وجمعنا وإياكم وإياهم في الدرجات العلى في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة، وفي دار الكرامة، من غير سابقة عذاب ولا عتاب ولا فتنة ولا حساب ولا توبيخ، وفرج على الأمة وكشف الغمة، ونشر بينهم ما ينفعهم وما يرفعهم وما يحميهم ويحرسهم من فتن الشيطان وجنده من شياطين الإنس والجن، ويجعلنا في حسن الاتباع لحبيبنا، مرتقين على المراقي في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
18 مُحرَّم 1448