كشف الغمة - 405- كتاب الصيد والذبائح (06) فرع في أن ذكاة الجنين ذكاة أمه وأن ما قطع من حي فهو ميت
شرح العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ على كتاب كشف الغُمَّة عن جميع الأمة، للإمام عبدالوهاب الشعراني: كشف الغمة - 405- كتاب الصيد والذبائح (06) فرع في أن ذكاة الجنين ذكاة أمه وأن ما قطع من حي فهو ميت
صباح السبت 16 شوال1447هـ.
نقاط مهمة يتضمنها الدرس:
- المسألة الأولى: حكم أكل الجنين إذا ذكيت أمه ووجد في بطنها
- شروط حل الجنين عند المذاهب (تمام الخلقة ونفخ الروح)
- المسألة الثانية: حكم ما قطع من البهيمة وهي حية
- استثناء ميتة البحر (السمك) والجراد من الحرمة
- حكم الحيوانات البرمائية (كالضفادع)
- أحكام تذكية الجراد وطرق طبخه عند المذاهب
نص الدرس المكتوب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وبسندكم المتصل إلى الإمام أبي المواهب سيدي عبدالوهاب الشعراني -رضي الله تعالى عنه وعنكم- ونفعنا بعلومه وعلومكم وعلوم سائر الصالحين في الدارين آمين في كتابه: (كشف الغمة عن جميع الأمة)، إلى أن قال:
فرع: في أن ذكاة الجنين ذكاة أمه
وأن ما قطع من حي فهو ميت
"قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: كان رسول الله ﷺ يقول: "ذكاة الجنين ذكاة أمه وقال رجل: يا رسول الله إنا ننحر الناقة أو تذبح البقرة أو الشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه، إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه". وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: ولد البهيمة إذا ذبحت بمنزلة ذنبها وكبدها فيحل أكله إذا خرج ميتاً، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: جنين البقرة من بهيمة الأنعام التي أحلت لنا، قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: ولما قدم النبي ﷺ المدينة وجد بها ناساً يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل يجبونها فقال لهم النبي: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة"، والله سبحانه وتعالى أعلم".
اللهُمَّ صلِّ أَفضلَ صَلَواتِكَ على أَسْعدِ مَخلوقاتكِ، سَيِدنا محمدٍ وعلى آلهِ وصَحبهِ وَسلمْ، عَددِ مَعلوماتِكَ ومِدادَ كَلِماتِكَ، كُلَّما ذَكَرَكَ وَذَكَرَهُ الذّاكِرُون، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِكَ وَذِكْرِهِ الغَافِلوُن.
الحمد لله مكرمنا بشريعته، وبيانها على لسان عبده وحبيبه وصفوته سيدنا محمد صلى الله وسلم وبارك وكرَّم عليه وعلى آله وصحابته وأهل ولائه ومتابعته، وعلى آبائه وإخوانه من الأنبياء والمرسلين سادات أهل معرفة الله ومحبته، وعلى آلهم وصحبهم وتابعيهم، وعلى الملائكة المقربين وجميع عباد الله الصالحين، وعلينا معهم وفيهم إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
يذكر الشيخ -عليه رحمة الله تعالى- في هذا الفرع حكم مسألتين:
- المسألة الأولى: في الجنين الذي تُذبح أمُّه ثم يُوجد جنينًا وسط بطنها، فهل يحل أكله أم لا؟ على تفصيل يُذكَر.
- المسألة الثانية: فيما قُطِعَ من الحيوان ولا يزال الحيوان حيًا.
ففي المسألة الأولى يقول:
"قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : كان رسول الله ﷺ يقول: "ذكاة الجنين ذكاة، أمه"، ويرويه الجمهور على الرفع "ذكاةُ الجنين ذكاةُ، أمه"؛ أي: ذكاة أمه تكون كالذكاة له.
فإذا ذُكيَت أمه فمات بسبب تذكية أمه:
كان حيًا في بطنها فلما ذُكيت مات بسبب تذكية أمه- فهو صار ككبدها وقلبها يصير حلالًا بتذكية أمه، وهو كذلك عند الجمهور.
بخلاف ما إذا مات قبل التذكية وعُلم موته في بطن أمه من قبل:
بأن سقطت أو ضُربت وتوقف عن الحركة، وكان يتحرك في بطنها ثم بعد ذلك ذُكيت وقد عُلم موته قبل أن تُذكّى فهو ميتة ولا يحل بالاتفاق.
ولكن إذا لم يُعلم موته قبل ذلك، وكان بعد ذلك الغالب على الظن أنه مات بتذكية أمه، فهذا الذي عليه الجمهور على إباحته وحلِّه.
إذا خرج قبل نفخ الروح فيه:
بأن يكون علقة أو مضغة فهو حرام ولا يجوز أكله، لأن الموت يسبق الحياة (وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ)[البقرة:28]، فهو حكمه حكم الميتة.
وأما إذا كان بعد نفخ الروح فيه:
- وكان جنين كامل الخلقة، فهذا إن خرج وهو حي حياة مستقرة وجبت تذكيته بالاتفاق.
- فإذا مات قبل التذكية وقد خرج وهو حي حياة مستقلة فهو ميتة باتفاق؛ لكن يخرج حيًا كحياة مذبوح فإن أُدرك وذُكي فهو حلال بالاتفاق، وإن لم يُدرك أيضًا فمات لأنه ما بقي له حياة مستقرة بسبب ذبح أمه فكذلك عند الشافعية والحنابلة أنه حلال، لأن حياة المذبوح كلا حياة فكأنه مات بتذكية أمه. وهكذا يقول من الحنفية أبو يوسف ومحمد.
- وكذلك المالكية لكن اشترطوا أن يكون قد أشعر، أي: خرج شعر جسده ونبت شعر جسده، وإن لم يخرج بعد فلا.
وأما إذا كان خرج ميتًا بعد تذكية أمه بِمُدة طالت:
بأن ذُكيت ثم تُركت مُدة فتَوانوا في سلخها وفي إخراج الجنين منها، فهذا أيضًا ما عاد يحل، لماذا؟ لأنه لا يُعلَم هل موته بتذكية أمه أو باختناقُه بمُده بعد تذكية أمه بمُدة.
فأما إذا خرج ميتًا عقب تذكية أمه من غير أن يُعلَم موته قبل التذكية:
فيغلب على الظن أن موته بسبب تذكية أمه لا بسبب آخر؛ فهذا الذي يقول المالكية والشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية أنه حلال.
واشترط المالكية أن يكون قد أشعر -أنبت شعره- لا يكفي شعر الرأس وحده والعينين، لابدَّ أن يكون نبت الشعر كله كما تدل عليه الرواية التي مرت معنا هنا في الحديث سنقرأُها الآن..
يقول: "وقال رجل: يا رسول الله إنا ننحر الناقة أو تذبح البقرة أو الشاة وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال ﷺ: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه، إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره"، وهذا أيضًا دليل المالكية بأنه لا بد أن يكون شعره قد نبت، "فإذا خرج من بطن أمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه"، هكذا الحديث أصله عند البخاري وعند أبي داود، ويقول: "إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره".
فتقدمت أيضًا المسألة إذا لم يتم خلقه بعد فهو ميتة كما تقدم معنا.
ومذهب أبو حنيفة وكذلك زُفَر والحسن بن زياد يقولون: لا يحل.
لماذا؟ يقولون الجنين الذي لم يُدرك حيًا بعد تذكية أمه ميتة، ويقرؤون الحديث "ذكاة الجنين ذكاة أمه" أي: مثل ذكاة أمه، يُذكى مثل ما تُذكى الأم. ويقرؤونه أيضًا "ذكاةَ الجنين ذَكُّوا" أي: ذَكُّوا الجنين كما تذكون أمه.
ولكن الجمهور قالوا: أن معنى الحديث أن تذكية الأم هي تذكية للجنين.
قال: "وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "ولد البهيمة إذا ذُبحت بمنزلة ذنبها وكبدها، فيحل أكله إذا خرج ميتاً".
وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "جنين البقرة من بهيمة الأنعام التي أُحلت لنا".
المسألة الثانية:
"قال ابن عمر -رضي الله عنه-: ولما قدم النبي صلى الله وسلم عليه وعلى آله المدينة -هذه المسألة الثانية- وجد بها أناسًا يعمدون إلى أليات الغنم -خصوصًا الضان يُخرِجون منها السمن الشحم- وأسنمة الإبل -يقطعونه من أسنمة الإبل- يَجُبُّونَهَا -يعني: يقطعونها-، فقال لهم النبي صلى الله وسلم عليه وعلى آله: "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة".
إذًا فحكمه هذا الذي انقطع وانفصل من الحيوان الحي حكم ميتته.
- قال الجمهور: ما دام حكم ميتة:
- فإن كان سمكًا أو جرادًا فيجوز أكله لأن ميتته حلال.
- وإن كان غير ذلك فهو ميتة حرام، لأن الميتات كلها حرام. وإنما الحديث: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الحوت والجراد". وهكذا: "وإن الله عز وجل ذبح ما في البحر لبني آدم"، في رواية الدارقطني يقول: "إن الله عز وجل ذبح ما في البحر لبني آدم" يعني: أجاز لهم أكله.
وكذلك كان سيدنا أبو بكر يقول عن الطافي -يعني: الميت من البحر مما لا يعيش إلا في البحر- حلال.
وكان يقول سيدنا عمر -رضي الله عنه- في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ أن صيده ما اصْطيد، وطعامه ما رمى به البحر.
وكان يقول ابن عباس: صيده ما اصطيدَ طريًا وطعامه ميتته، إلا ما قذرت منه.
فما كان يعيش من الصيد في البر والبحر:
فلا تصده، فهذا أيضًا عند الشافعية حرام؛ الحيوانات التي يمكن أن تعيش في البر والبحر كمثل الضفادع ونحوها فحرام.
وما كان حياته في الماء فقط:
فذاك هذا هو الصيد الميتة الحلال.
فلا يضر أن يصيده أي أحد، مسلم وغير مسلم، لأنه أُحل لنا.
الجراد وصيد البحر:
حلال عند الجمهور، ولا حاجة إلى تذكية الجراد.
لكن المالكية يقولون: أنه يُذكَّى يُفعَل به ما يعجل موته بأي سبب يُميتُه بنية.
قلي الجراد هذا أيضًا وضعه في النار:
- يقول الشافعية: أنهم كرهوا ذبح الجراد وقطعه حي، وصرحوا بجواز قليه ميتًا دون إخراج ما في جوفه ولا يتنجس به الدهن، ولكن يحرم قليه وشيّه حيًا -يرميه وهو حي- لأنه فيه شيء من التعذيب.
- وقيل: يحل في قولين عند الشافعية، والمعتمد أنه يُقتل أول ويُضرب ثم يُشوى، لا يوضع في النار مباشرة وهو حي ولا في الزيت كذلك.
- ويقول الحنابلة: يجوز وضعه ولو كان حيًا في النار، قالوا: وإن كان فيه تعذيب لأنه التعذيب للحاجة؛ فأجاز الحنابلة وضعه في النار مباشرة.
وبعد ذلك أيضًا يرون المالكية أن ما أُخِذ من الجراد؛ إذا لم يؤخذ بنية استباحته وقتله فلا يحل. يقول: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة"، والله سبحانه وتعالى أعلم.
رزقنا الله الاستقامة، واتحفنا بالكرامة، وأصلح البلاد والعباد والأمة، وكشف الغمة وبدّد الظلمة، وعاملنا بمحض الجود والرحمة، ووفر حظنا من جميع المنن، واذهب عنا جميع الهم والحَزَن، وجميع الآفات والفتن، وعن أمة حبيبه محمد في السر والعلن، وجعلنا من المقبلين بكليتنا عليه، والمقبولين لديه، والموفقين لمرضاته في خير ولطف وعافية.
بِسِرِّ الْفَاتِحَةِ
إِلَى حَضْرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ
الْفَاتِحَة
17 شوّال 1447